الصفحة 8 من 13

فكان يجب على الألبانيّ ـ لو كان بصيرًا بنقد الأسانيد ـ أن يبدأ في الكلام علي سند الحديث الذي أعلّه بالحارث؛ من أوّله ليسلم له التعليل، وإلّا فما دام السند لم يثبت إلي الحارث، فمَن قال له: إنّه من صنعه!؟ هذا لايقوله طالبٌ في هذا العلم أبدًا.

ثمّ بعد هذا هناك علّة أكبر من علّة وجود هذا الرجل المجهول، وهي علّة العلل التي يجزم بسببها طالب الحديث بأنّ الحارث بري ءٌ من هذا الحديث، وأنّه لا يرميه به إلّا الرجل العامّيّ في هذا العلم.

وهذه العلّة هي عبدالعزيز بن الحصين بن الترجمان، شيخ الهيثم بن موسي، فإنّه ضعيفٌ جدًّا.

قال البخاريّ: ليس بالقويّ عندهم.

وقال ابن معينٍ: ضعيف.

وقال مسلم: ذاهب الحديث.

وقال ابن عديّ: الضعف علي رواياته بيِّن.

وقال أبو داود: متروك الحديث.

وقال أبو القاسم البغويّ: ضعيف الحديث.

وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا مسهر، فقلت: عبد العزيز بن الحصين ممّن يؤخذ عنه؟ فقال: أمّا أهل الحزم فلا يفعلون.

وقال ابن المدينيّ: روي عنه معنٌ وغيره، بلاءٌ من البلاء، وضعّفه جدًّا.

وقال النسائيّ في «التمييز» : ليس بثقةٍ، ولا يكتب حديثه.

قال الحافظ في «اللسان» : وأعجب من كل ما تقدّم أنّ الحاكم أخرج له في «المستدرك» وقال: إنّه ثقة [32] .

وقال الذهبي في «المغني» [33] : ضعّفه يحيي والناس، وكذلك قال في «ديوان الضعفاء» [34] .

فوجود عبد العزيز بن الحصين هذا، هو الذي يجب أن يعلّل به الحديث، كما هي قاعدة أهل العلم في مثل هذا، لأنّه لم يوثّقه أحدٌ، وقيل فيه: إنّه متروك غير ثقة.

فكيف يترك تعليل السند به، ويرحل إلي الحارث الذي وثّقه الجمهور ـ كما قلنا ـ وعمل أهل السُنّة بحديثه، واحتجّوا به، كأنّه لا يوجد ضعيف في السند إلا هو!؟.

فتنبّه لهذا تعلم قصور الألبانيّ في كلامه علي أسانيد الحديث، وأنّه صحفيٌّ لا غير.

وحتّي لو سلّمنا له أنّ الحارث ضعيفٌ وكذّابٌ ـ كما قال ـ ولكن مَن يُثبت لنا أنّه هو صاحب الحديث، ما دام الطريق إليه فيها متروك وغير ثقة؟!.

ولو سلّمنا له سلامة السند من كلّ هذا، وأنّ التهمة فيه من جهة الحارث وحده، ولكن ما زالت في الطريق إلي إلصاق التهمة بالحارث علّةٌ أخري تحول عند أهل الحديث دون إلصاق التهمة به، وهذه العلّة هي تدليس أبي إسحاق السبيعيّ، فإنّه كان مدلّسًا، وقد عنعن في روايته عن الحارث، وعنعنة المدلّس لا يقبلها أحدٌ من أهل العلم مطلقًا، لا عند المحدّثين ولا عند غيرهم.

وأبو إسحاق السبيعي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في المرتبة الثالثة من «طبقات المدلّسين» [35] وقال: مشهورٌ بالتدليس.

بل نقل الحافظ في «تهذيب التهذيب» [36] عن الجوزجانيّ أنّه قال: كان قومٌ من أهل الكوفة لا تُحْمد مذاهبهم ـ يعني التشيّع ـ هم رؤوس محدّثي الكوفة: أبو إسحاق، والأعمش، ومنصور، وزبيد، وغيرهم من أقرانهم؛ احتملهم الناس علي صدق ألسنتهم في الحديث، ووقفوا عندما أرسلوا، لما خافوا أن لا تكون مخارجها صحيحة.

فأمّا أبو إسحاق، فروي عن قومٍ لا يُعرفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلّا ما حكي أبو إسحاق عنهم.

وهذا الكلام الذي قاله الجوزجانيّ ـ وإن كان مردودًا من جهة الطعن بالتشيّع ـ فإنّه أخبر فيه بأنّ أبا إسحاق يروي عمّن لا يُعرف، ويُرسل عنهم، فيجب ـ علي قوله هذا ـ ترك عنعنته ـ كما هو معلومٌ ـ لاحتمال أنّه أخذه عمّن لا يعرف، ولهذا قال معنٌ: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق للتدليس.

فهذه العلّة ـ وحدها ـ تدفع التهمة عن الحارث، وتظهر أنّ من ضعّف الحديث بسببه بعيدٌ عن صناعة الحديث بُعْد السماء عن الأرض.

ومن الأمور التي تدلّ علي قصور الألبانيّ؛ أنّه اقتصر ـ في كلامه علي الحارث ـ علي قوله: ضعّفه الجمهور، وقال ابن المدينيّ: كذابٌ، وتَرَك ذكر العدد الكبير الذي وثّقه وأثني عليه، كما ذُكر ذلك في ترجمة الحارث من كتب الجرح، وقد ذكرت ذلك فيما سبق.

والمقرّر عند المحدّثين والذي عليه عملهم؛ أنّه يجب أن يذكر في الراوي ما قيل فيه من جرحٍ وتعديلٍ، ومدحٍ وذمٍّ، ليُعرف منزلة قول الجارح من المادح، فإنّ عبارات المجرّحين يظهر الخلل فيها من أقوال الموثّقين للراوي نفسه ـ كما هو معلوم ـ ولعلّي أشرت إلي هذا في «الباحث» .

من ذلك: أنّ الجرح لا يُقبل إلّا مفسَّرًا ـ كما أجمع عليه أهل النقد من أهل الحديث ـ اللهمّ إلّا إذا كان الراوي لم يوثَّق مطلقًا، أمّا إذا كان الراوي وثّقه جماعة، وجرحه آخرون بجرحٍ غير مفسَّر، فالجرح مردودٌ غير مقبولٍ قولًا واحدًا بدون خلافٍ من أحدٍ ـ كما هو الحال في الحارث ـ فإنّ المجرّحين له لم يفسّروا جرحهم له، ولم يبيّنوا أسبابه، فيُطرح جرحهم ويترك، ويُعمل بقول من وثّقه، وهو الجمهور من السلف والخلف.

ولكنّ الألبانيّ اقتصر على قوله: «إنّه كذّاب» و «الجمهور على تضعيفه» ونحن لا نكون مثله، فنقول:

(32) اُنظر لسان الميزان 4: 29.

(33) المغني في الضعفاء: 1 / 629.

(34) ديوان الضعفاء والمتروكين: 2 / 115.

(35) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: 146.

(36) تهذيب التهذيب: 4 / 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت