إنّه يُشمّ منه رائحة النصب، وقد عابوا علي ابن الجوزيّ في كتابه في الرجال صنيعه الذي تفرّد به عن أهل الحديث، وهو الاقتصار علي ذكر ما قيل في الرجل من الجرح دون التعديل، لأنّ ذلك ينافي الأمانة أوّلًا، ويضلّل الباحث عن حال الرجال ثانيًا.
وممّا يُضحك، ويجعل حبوتك تنحلّ عجبًا من هذا الألبانيّ؛ أنّه جعل قول شعبة: «لم يسمع أبو إسحاق منه إلّا أربعة أحاديث» ممّا يجرح به الحارث، مع أنّ هذا لا دخل له في باب الجرح مطلقًا عند أهل الحديث النقّاد، وإنّما هو إخبار عن كون أبي إسحاق لم يكن من المكثرين عن الحارث لا غير، كما أنّ عددًا من المشاهير الثقات من رجال الصحيح لم يروِ عنهم بعض الأئمّة إلّا حديثًا واحدًا، فضلًا عن أربعةٍ، ولم يقل أحدٌ إنّ ذلك جرحٌ لهم، وهذا موضوعٌ معروفٌ بين أهل الحديث، وألّفوا فيه التآليف، بل يوجد هذا حتّي في الصحابة، ففيهم عددٌ كبيرٌ لم يروِ عنهم الرواة إلّا حديثًا واحدًا، أو ثلاثةً، أو أربعةً.
وحتّي لو سلّمنا للألبانيّ فهمه، فإنّ هذا يكون حجّةً عليه في رمي الحارث بهذا الحديث، لأنّه يدلّ علي أنّ أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث، فلماذا يرميه به إذن، ويتّهمه بوضعه هذا؟! والله إنّه الدخول فيما لا يحسنه الإنسان.
ومن جهله أيضًا؛ ظنّه أنّ توثيق الراوي لشيخه لا يتمّ حتّي يروي عنه العدد الكبير من الأحاديث، ولهذا اعتمد علي قول شعبة هذا، مع أنّ هذا الشرط لا تجده إلّا في مخيّلة الألبانيّ، وإلّا فلا فرق في ذلك بين أن يروي عن شيخٍ حديثًا واحدًا أو مئةً في الدلالة علي كونه ثقةً عنده ـ إن قلنا إنّ الرواية عن شيخٍ تدلّ علي كونه ثقةً عند الراوي عنه، والمسألة فيها نزاعٌ شهيرٌ مذكورٌ في محلّه ـ.
ثمّ ممّا يعرّفك بضعف الألبانيّ في هذا العلم، وقصوره فيه، وعدم اتّباعه للمقرّر فيه عند أهله؛ أنّه حكم علي الحديث أوّلًا بأنّه موضوع، ثم قال [37] ـ بعد أن ذكر سند الحديث الذي علّقه من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالب ـ: وهذا سندٌ ضعيف جدًّا.
فحكمه ـ أوّلًا ـ بأنّ الحديث موضوعٌ ـ وهو شرّ الضعيف، لأنّه لا درجة بعده مطلقًا ـ ثم حكمه علي السند بأنّه ضعيف جدًّا ـ ثانيًا ـ تناقضٌ عظيمٌ، وجهلٌ كبيرٌ، يعلمه طلبة «نخبة الفكر» لأنّ السند الضعيف جدًّا لا يصل أن يكون به الحديث موضوعًا، بل يحتمل أن يكون واهيًا يرتفع إلي درجة الضعيف، بخلاف الحديث الموضوع، فإنّه لا يرتفع إلي درجة الضعيف مطلقًا، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يحتاج إلي شرحه للألبانيّ، وعليه بقراء ة «النخبة» ليعلمه.
وفي الوقت الذي نجد فيه الألبانيّ يرفض الاعتماد في التصحيح والتضعيف علي الحفّاظ النقّاد ـ لأنّ ذلك يكون غالبًا فيما لا يوافق هواه، ولا يتمشّي مع رأيه ـ نراه هنا يؤيّد قوله ورأيه في الحارث بما لا يعدّ تأييدًا عند العلماء، وذلك في قوله: وفي «الكشف» قال القاري: هو موضوعٌ كما في «الخلاصة» [38] .
كأنّ الألبانيّ يُرهب خصومه، ويرفع في وجههم السلاح الفتّاك إذا أرادوا معارضته في الحكم علي الحارث بالكذب بقول القاري: هو موضوع، كأنّ القاري ـ رحمه الله تعالى ـ يحيي بن معينٍ، أو عليّ بن المدينيّ، أو الحافظ ابن حجرٍ، أو المنذريّ رضي الله عنهم جميعًا، مع أنّه لا يُعدّ في هذا العلم شيئًا مذكورًا، ولا هو فيه بالرتبة التي يُذكر بسببها بين أهل الحديث ـ كما تدلّ علي ذلك كتبه ومصنفاته ـ بل إذا رأيت الذي يشتغل بالحديث يذكر في كتبه القاري ـ محتجًّا به، ومستشهدًا بكلامه ـ فاعلم أنّه لا يأتي منه شي ءٌ في هذا العلم.
وفي الختام أراد الألبانيّ أن يُجهز علي الحديث مرّةً واحدةً، ولا يدع للنزاع معه طريقًا، فتناول الطعن في الحديث من جهة معناه، فقال: ولوائح الوضع عليه ظاهرة.
وهذا منه مجرّد تحكّمٍ بالهوي، ودفعٍ بالصدر؛ وإلّا فما الذي يلوح عليه من علامات الوضع؟ ومعناه واضحٌ ظاهرٌ لذي عينين، وورد ما يشهد له في أحاديث كثيرة، وورد موقوفًا عن أبي مسعودٍ بلفظ: المتّقون سادةٌ، والفقهاء قادةٌ، ومجالستهم زيادةٌ، رواه الطبراني في «الكبير» .
وقال الهيثميّ في «المجمع» [39] : ورجاله موثّقون.
فالحكم علي الحديث بأنّ لوائح الوضع عليه ظاهرة، من غير أن يكون هناك دليلٌ شرعيٌّ يشهد بفساد ذلك المعني، أو دليلٌ عقليٌّ قاطعٌ علي ذلك؛ جرأةٌ عظيمةٌ من صاحبه، وهو يفتح الباب أمام الجهلة المتنطّعين لردّ الأحاديث الثابتة لمجرّد عدم فهمهم لمعناها، وقصور عقلهم عن إدراك مراد الشارع منها.
(37) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 116.
(38) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 116
(39) مجمع الزوائد: 1 / 126.