ويظهر أنّ الذهبيّ رحمه الله تعالى مشي علي هذا القول في توجيه طعن الشعبيّ بالكذب في الحارث، وهو مردودٌ عقلًا ونقلًا، ولا يتمشّي مع القواعد المقرّرة؛ فكن منه علي بالٍ.
والمقصود بعد هذا، أنّ الحارث ثقةٌ عدلٌ رضيٌّ، وثّقه الأئمّة من رجال السلف والخلف.
بل لو قلت: الاتّفاق قد حصل ووقع علي توثيقه، إلّا ما شذّ من الأقوال المخالفة للجمهور لكنت صادقًا في ذلك؛ ومن خالف الجمهور في ذلك فخلافه مردودٌ بما تقتضيه القواعد المقرّرة التي لا يمكن نقضها وردّها، كما بيّنت ذلك في «الباحث» .
ولأجل ذلك احتجّ به أصحاب السنن، وذكروا حديثه في الأبواب، فإنّه لا معني لذلك إلّا كونه حجّةً صالحًا للعمل، بل قال الذهبيّ في «الميزان» [25] : والنسائيّ ـ مع تعنّته في الرجال ـ قد احتجّ به.
وهذه شهادةٌ من النسائيّ بأنّ الطعن الذي وقع في الحارث، مردودٌ غير مقبول، ولا يُلتفت إليه، لأنّه ما دام متعنّتًا في الرجال ـ والمتعنِّت المتشدِّد ـ يردّ حديث الراوي بما لا يكون جرحًا، فكيف إذا جرح بالكذب!؟.
فاحتجاجه بالحارث ـ مع هذا ـ دليلٌ واضحٌ علي أنّه ثقة؛ وأنّ الطعن الذي قيل فيه لا أساس له يُستند عليه، وأنّ حديثه صحيحٌ كسائر أحاديث الثقات.
ولهذا صرّح بصحّته الإمام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى حيث قال في «التمهيد» [26] في الكلام علي الصلاة الوسطي ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه: والصحيح عن عليٍّ من وجوهٍ شتّي صحاحٍ ـ أنّه قال في الصلاة الوسطي: صلاة العصر، وروي ذلك عن النبيّ صلّي الله عليه و آله و سلّم، رواه عنه جماعة من أصحابه، منهم عبيدة السلماني، وشتير بن شكل، ويحيي الجزّاز، والحارث، والأحاديث في ذلك صحاح ثابتة، أسانيدها حسان، انتهي.
والألبانيّ لشذوذه وجهله بالجرح والتعديل، وأخذه الأقوال في ذلك من غير نقدٍ لها ولا بحثٍ ولا تحقيقٍ ولا تمحيصٍ؛ خالف عمل هؤلاء الأئمّة من السلف والخلف في توثيق الحارث وتصحيح حديثه، وصار يحكم علي حديث الحارث بالوضع اغترارًا منه بكلام الذهبيّ في دعواه أنّ الجمهور علي توهينه.
كما وقع منه في كلامه علي حديث: «الأنبياء قادة، والفقهاء سادة، ومجالستهم زيادة» فقد ذكره في «الضعيفة» [27] وقال: موضوع، أخرجه الدارقطنيّ، والقضاعي في «مسند الشهاب» من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالبٍ مرفوعًا.
ثمّ قال الألبانيّ: وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا، الحارث: هو ابن عبدالله الهمدانيّ الأعور، قد ضعّفه الجمهور.
وقال ابن المديني: كذّاب.
وقال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق منه إلّا أربعة أحاديث... إلي آخر كلامه.
وقد أظهر في هذا الكلام من الجهل ما يضحك منه صغار الطلبة، لأنّه فضح به نفسه، وأظهر للناس صدق قولنا فيه: إنّه محدّث الأوراق والصحف، ولا يغوص لاستخراج علل أسانيد الأحاديث الخفيّة، ولا يتتبّع الطرق ويعتبر بها ـ كما هو مقرّرٌ عند أهل هذا العلم ـ وإنّما غايته ـ كغيره ممّن يتعاطي الاشتغال بالحديث ـ أن يرجع إلي رجلٍ من رجال السند، فيكتفي بما قيل فيه في الطعن في الحديث، وإن كان ذلك الراوي المسكين لا ناقة له ولا جمل في علّة الحديث، وهذا صنيع المبتدئين البسطاء في هذا الفن.
ولبيان تهوّره هذا أقول: إنّ الحارث بري ءٌ من هذا الحديث براء ة الذئب من دم يوسف، ولا علاقة له به مطلقًا.
والألبانيّ أوقعه في هذا الخطأ القبيح والغلط الشنيع، تقليده لأبي الطيّب العظيم آبادي؛ فهو الذي اقتصر علي إلصاق التهمة في هذا الحديث بالحارث في كتابه: «التعليق المغني علي الدارقطني» [28] وذلك قصورٌ منه.
واعتماد الألبانيّ عليه ـ لعدم وصوله إلي درجة الاجتهاد في الكلام علي الرجال ـ أوقعه ـ كما قلنا ـ فيما كشف به عن جهله.
وذلك أنّ الحديث رواه الدارقطنيّ في آخر كتاب البيوع من «سننه» [29] والخطيب في «الفقيه والمتفقه» [30] من طريق الهيثم بن موسي المروزيّ، عن عبدالعزيز بن الحصين بن الترجمان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ عليه السّلام به مرفوعًا.
فالقاعدة المقرّرة عند أهل العلم بالحديث، والأمر الذي عليه العمل عندهم ـ وهو الذي يقتضيه النظر أيضًا ـ أنّ الحديث يجب أن يعلَّل ـ أوّلًا ـ بالهيثم ابن موسي المروزيّ المجهول، فإنّي لم أقف له علي ترجمةٍ فيما لديّ من كتب الرجال، وإنّما الذي وجدته عنه هو ذكر الخطيب له في «تاريخ بغداد» في ترجمة إسحاق بن البهلول [31] ، حيث ذكره في شيوخ إسحاق بن البهلول الذين أخذ عنهم الفقه، فقال: وذكر أهله أنّه كان فقيهًا، حمل الفقه عن الحسن بن زياد اللؤلئي، وعن الهيثم بن موسي صاحب أبي يوسف القاضي.
فهذا ما وجدته عنه، فالرجل في عداد المجهولين فيما يظهر.
(25) ميزان الاعتدال: 2 / 172.
(26) التمهيد: 4 / 288.
(27) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 116.
(28) التعليق المغني: 3 / 80.
(29) سنن الدارقطني: 2 / 58.
(30) الفقيه والمتفقه: 1 / 142.
(31) تاريخ بغداد: 6 / 366 ـ 367.