وأعظم دليلٍ علي هذا ما وقع له في شأن الحارث ـ مع وقوفه علي قول الذهبيّ في ترجمة الحارث في «الميزان» [18] : أنّ الجمهور علي توهينه ـ فأخذ ذلك منه مسلِّمًا، ورأي أنّ ذلك هو الحقّ، لأنّه ليس له أهليّةٌ لمعرفة صواب كلام أهل الجرح من خطئه، وحقّه من باطله، وإلّا لو كانت له أهليّةٌ وكفاءَ ةٌ، وكان محدّثًا علي طريق النُقّاد في الحارث: انّ الجمهور علي توهينه؛ صوابٌ أم خطأ؟ حقٌّ أم باطلٌ؟ لأنّ الذهبيّ وإن كان حافظًا ناقدًا لكنّه له أوهامٌ وأغلاطٌ في كلامه علي بعض الرجال، من لم يتنبّه لها يقع في حبالتها.
كما يقع له أيضًا أوهامٌ في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وتساهلٌ في الكلام علي أسانيدها ـ كما يعلم ذلك من قرأ «تلخيص المستدرك » له ـ ومن ذلك قوله في الحارث: إنّ الجمهور علي توهينه، فإنّه وهمٌ محضٌ، وتسرّعٌ في القول لا غير.
ولو تتبّع الألبانيّ كلام أهل الجرح في الحارث ـ كما حصل لنا ـ ونظر في مخرج جرح المجرّحين له، لعلم وتحقّق أنّ الجمهور ـ الذي قال الذهبيّ: أنّه اتّفق علي توهين الحارث ـ لا يوجد إلّا في «الميزان» للذهبي رحمه الله تعالى، وأنّه لا حقيقة له في الخارج مطلقًا، كما يقولون في العنقاء.
لأنّ الجمهور الذي يخرج منه الحسن والحسين، ومعهما والدهماعليهم السّلام وأهل الكوفة جميعًا، وابن سيرين، وسعيد بن جبيرٍ، وابن معينٍ، وأحمد بن صالحٍ المصريّ، وحبيب بن أبي ثابت، والنسائيّ، وأبو بكر بن أبي داود، وأبو حفص بن شاهين، وابن عبد البرّ، وغيرهم كثيرٌ ممّن وثّقه وأثني عليه، بل قال ابن معينٍ: ما زال المحدّثون يقبلون حديثه [19] .
الجمهور الذي يخرج منه هذا العدد الجمّ من أئمّة السلف والخلف، لجديرٌ أن يُنْبَذ نَبْذ النواة، ويُطرح في زوايا الترك والإهمال، ويُسْدل عليه ستار النسيان.
ويكفي في ردّ دعوي الذهبيّ رحمه الله تعالى هذه؛ في كون الجمهور علي توهين الحارث أنّه كان معدودًا من سُرُجِ الكوفة ـ كما قال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه ـ. ولهذا ذكره أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في فقهاء التابعين بالكوفة [20] ، وقد ذكر منهم علقمة بن قيسٍ، والأسود بن يزيد بن قيسٍ، والنخعيّ، ومسروقًا وشريح بن الحارث القاضي، والحارث الأعور.
وقال ـ بعد أن ترجم لهؤلاء الستّة ـ ما نصّه: وهؤلاء الستّة الذين ذكرناهم أصحاب عبد الله بن مسعودٍ.
وقال سعيد بن جبيرٍ: كان أصحاب عبدالله سُرُج هذه القرية.
وقال فيهم الشاعر:
وابن مسعود الذي سُرُج الـ ... ـقرية أصحابه ذوو الأحلام
وله جماعة من غير هؤلاء من الأصحاب.
قال الشعبيّ: ما كان من أصحاب رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلّم أفقه صاحبًا من عبدالله بن مسعود [21] .
وقد اقتصر أبو إسحاق الشيرازي في هذه الطبقات علي ذكر فقهاء الأمصار الذين لا يسع الفقيه جهلهم؛ لحاجته إليهم في معرفة من يُعتبر قوله في انعقاد الإجماع، ويُعتدّ به في الخلاف، وذكر ما دلّ علي علمهم من ثناء الفضلاء عليهم [22] .
فالذي يتمسّك بقول الذهبيّ في توهين الحارث ـ بعد هذا ـ هو الواهي حقيقةً.
وأري أنّ الذهبيّ ـ نفسه ـ رحمه الله تعالى ناقضَ نفسَه في دعواه توهين الجمهور للحارث، حيث قال في كلامه السابق الذي ذكره في رسالة «الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردّهم» [23] : إنّ الحارث وشبهه يُعمل بحديثه وينقل؛ علي تردّدٍ بين الأئمّة الأثبات في الاحتجاج عمّن هذا نعته.
فجعله ممّن تردّد الأئمّة في الاحتجاج به، وهذا يردّ دعوي توهين الجمهور له.
وكذلك ناقض الذهبيّ نفسه حيث قال: مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبيّ يكذّبه ثمّ يروي عنه، والظاهر أنّه يكذب في لهجته وحكاياته، وأمّا في الحديث النبويّ فلا، وكان من أوعية العلم... إلي آخر كلامه المذكور في الميزان [24] . فرواية أهل الحديث لحديثه في الأبواب دليلٌ علي أنّه لم يوهّنوه، كما ذكرت ذلك في «الباحث» .
وأمّا قوله: «والظاهر أنّه كان يكذب في لهجته» فباطلٌ أيضًا، بل من أبطل الباطل. لأنّ المقرَّر عند أهل الحديث أنّ الراوي إذا كان يكذب في لهجته وكلامه ولا يكذب في حديثه فروايته أيضًا غير مقبولةٍ، لأنّ العدالة لا تتجزّأ ولا تتبعّض، فلا يكون الراوي ثقةً عدلًا في جهة، وكذّابًا فاسقًا في جهةٍ أخري، وهذا ممّا تشترك فيه الرواية مع الشهادة.
بخلاف الضبط، فقد يكون الراوي ضابطًا في شيخٍ، ضعيفًا في آخر، كما هو معلومٌ لصغار الطلبة.
أمّا العدالة فلا تتبعّض ولا تتجزّأ مطلقًا، لاسيّما وقد قالوا في تعريف الثقة: هو الذي يجتنب الكبائر، ولا يتظاهر بخوارم المروء ة.
وهل هناك كبيرةٌ أعظم وأقبح من الكذب، والإخبار بغير الواقع!؟ وإن كان بعض رجال الحديث قَبِلَ رواية الرجل الذي يكذب في لهجته وكلامه، ولا يكذب في حديثه، وذلك مذكورٌ في المصطلح.
(18) ميزان الاعتدال: 2 / 172.
(19) تهذيب التهذيب: 1 / 411.
(20) اُنظر طبقات الفقهاء: 80 / 81.
(21) اُنظر طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي: 81.
(22) اُنظر الطبقات: 31.
(23) الرواة الثقات المتكّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم: 24.
(24) ميزان الاعتدال: 2 / 172.