وتكذيب الشعبي للحارث من هذا الباب، فلذلك روي عنه الشعبيّ أيضًا، وأخذ عنه العلم لمّا زال ما في نفسه عنه، وذهب وَحَر صدره.
والشعبيّ رحمه الله تعالى كان سريع التكذيب والطعن في كلّ من حدّث بما لم يسمعه من الحديث ولم يبلغه.
ومعلومٌ أنّ الحارث كان أعلم بحديث عليٍّ عليه السّلام من الشعبيّ، فلمّا سمع منه ما لم يبلغه من حديث عليّ عليه السّلام سارع إلي تكذيبه، وهكذا حاله حتّي مع الصحابة، فكيف بالحارث!؟.
فقد نقل الحافظ الذهبيّ في ترجمة الشعبيّ من «تذكرة الحفاظ» [16] عن الحاكم، عن ربيعة بن يزيد، قال: قعدت إلي الشعبيّ بدمشق في خلافة عبدالملك، فحدّث رجلٌ من الصحابة عن رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلّم أنّه قال: «اعبدوا ربّكم ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطيعوا الأمراء؛ فإن كان خيرًا فلكم، وإن كان شرًّا فعليهم وأنتم منه برآء» . فقال له الشعبيّ: كذبتَ.
فهذه القصّة فيها دليلٌ بَيِّنٌ علي أنّ الشعبيّ كان سريع التكذيب لمن حدّث بما لم يبلغه، فمن جعل طعن الشعبيّ في الحارث بالكذب حُجّةً فليجعله في تكذيب هذا الصحابيّ كذلك، مع أنّي أكاد أجزم بأن تكذيب الشعبيّ للحارث إنّما هو من جهة رأيه لا غير، وإلّا لما أخذ عنه وتعلّم منه، وهو معدودٌ من الرواة عن الحارث.
لاسيّما والكذب لم يكن له سوقٌ بين التابعين، ولا له رواجٌ علي لسانهم، وإذا وقع منهم فعلي سبيل الغلط والوهم والخطأ.
وهذا شأن عامّتهم، فكيف بعلمائهم وساداتهم كالحارث!؟.
وما صار التابعون يأخذون الحذر من الرواة، ويحتاطون في الأخذ حتّي وقعت الفتنة، فلمّا وقعت نظروا من كان من أهل السُنّة أخذوا حديثه، ومن كان من أهل البدع تركوا حديثه ـ كما قال ابن سيرين رحمه الله تعالى.
وهذا الاحتياط لم يكن منهم لأجل انتشار الكذب بينهم، وإنّما كان لأجل المذهب والخروج عن جماعة أهل السُنّة.
ثمّ بعد أن قرّرتُ هذا، وسنح في الفهم عند كتابة هذه السطور، وجدتُ الذهبيّ رحمه الله تعالى يقول في رسالته في «الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم» [17] : ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه:
وأمّا التابعون، فيكاد يُعدم فيهم من يكذب عمدًا، ولكن لهم غلطٌ وأوهام، فمَن ندر غلطه في جنب ما قد حصّل احتُمل، ومَن تعدّد غلطه وكان من أوعية العلم اغتُفر له أيضًا، ونُقل حديثه، وعُمل به ـ علي تردّدٍ بين الأئمّة الاثبات في الاحتجاج عمّن هذا نعته ـ كالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، وصالحٍ مولي التوأمة، وعطاء بن السائب، ونحوهم؛ ومن فحش خطؤه، وكثُر تفرّده لم يحتجّ بحديثه، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأوّلين، ويوجد ذلك في صغار التابعين فمَن بعدهم، انتهي كلامه.
فأفاد هذا التقرير من الحافظ الناقد المتقن الذهبيّ رحمه الله تعالى فيما يتعلّق بالحارث أمورًا:
أوّلها: أنّ الحارث لم يكن كذّابًا ـ كما زعم الشعبيّ ـ لأنّ الكذب لم يكن يصدر من التابعين عمدًا.
ثانيها: أنّ حديثه يُعمل به في الأحكام، وينقل بين الناس، ولهذا احتجّ أصحاب كتب السُنّة بحديثه؛ للمعني الذي ذكره الذهبيّ، والتردّد في ذلك لا يضرّ، فقد ذكرتُ أنّ ذلك التردّد لا أساس له ولا دليل عليه، وأنّ الحارث ثقةٌ يُعمل بحديثه قولًا واحدًا علي حسب القواعد المقررة.
ثالثها: أنّ الحارث لم يقع منه تفرّدٌ في حديثه، وأنّه لم يكن ممّن فحش خطؤه، وكثر وهمه، لأنّه كان من التابعين الأوّلين، وإنّما ذلك يوجد في صغار التابعين فمَن بعدهم.
فأين يذهب الألبانيّ من هذا الكلام الذي قرّره الذهبيّ الحافظ الناقد ـ الذي ما أتي بعد يحيي بن معين خبيرٌ بأحوال الرجال مثله ـ في شأن الحارث، وحكمه فيه بأنّه ممّن يعمل بحديثه وينقل عنه!؟.
ومعلومٌ أنّ الذهبيّ لم يكن له بالتشيّع صلة، ولا له بالشيعة رابطة، حتّي يُتّهم ـ هو الآخر ـ بأنّه قال ما قال لأجل تشيّعه.
فظهر من هذا أنّ الألبانيّ ليس له معرفةٌ بالرجال، ولا له غوصٌ في نقد عبارات أهل الجرح، وانّما شأنه قاصرٌ علي جمع طرق الحديث، وذكر الصفحات بأرقامها التي يوجد فيها الحديث لا غير، وكون السند فيه ثقةٌ أو ضعيفٌ.
أمّا نقد الرجال، والكلام علي علل الحديث الخفيّة ـ التي هي أهمّ علوم الحديث ـ فهذا لا يعلمه ولا يدريه، ولا شأن له به في كلامه علي الأسانيد ـ كما يظهر من كتبه وتعاليقه ـ فتجده يصحّح ما هو موضوعٌ، ويضعّف ما هو صحيح، ويحكم بوقف ما هو مرفوعٌ.
ولكنّه اغترّ بفراغ الجوّ، وخلوّ البلاد ممّن يشتغل بالحديث علي الوجه الصحيح، ولم يجد بين أهل العلم من يتفرّغ لبيان أوهامه وسقطاته وأغلاطه التي أرجو أن يهيّئ الله تعالى الفرصة لبيانها، حتّي يعلم الطلبة أنّه محدّث الأوراق والصحف.
(16) تذكرة الحفّاظ: 1 / 83.
(17) الرواة الثقات المتكّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم: 24 ـ 25.