فقد روي ابن سعد في «الطبقات» [10] قال: أخبرنا الفضل بن دكين، حدّثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق: أنّه كان يصلّي خلف الحارث الأعور، وكان إمام قومه، وكان يصلّي علي جنائزهم، فكان يُسلّم ـ إذا صلّي علي الجنازة ـ عن يمينه مرّةً واحدةً.
وهذا أيضًا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدّمون الحارث الأعور علي أئمّة العلم من أهل الكوفة، كعُبيدة السلمانيّ، وعلقمة، ومسروقٍ، وشُرَيحٍ.
قال ابن سيرين: أدركت الكوفة وهم يقدّمون خمسةً:من بدأبالحارث ثنّي بعُبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنّي بالحارث، ثم علقمة الثالث لا شكّ فيه، ثم مسروق، ثم شريح.
قال ابن سيرين: إنّ قومًا آخرهم شريح لقوم لهم شأن [11] ، انتهي.
وفي بعض الروايات، قال ابن سيرين: وإنّ قومًا آخرهم شريح لقومٌ خيار.
وفي اللفظ الذي ذكره الذهبيّ في «الميزان» [12] قال ابن سيرين: وفاتني الحارث فلم أره، وكان يفضّل عليهم، وكان أحسنهم، انتهي.
وهذا أيضًا توثيقٌ من ابن سيرين ـ التابعي الجليل ـ للحارث، وشهادته له بالفضل علي عبيدة ومسروق وعلقمة وشريح، فيضمّ إلي من وثّقه من أئمّة التابعين المعاصرين له.
وانظر كيف أخبر ابن سيرين بأنّ أهل الكوفة كانوا في شأن تقديم الحارث علي عبيدة السلماني مختلفين، منهم من يقدّمه علي عُبيدة، ومنهم من يقدّم عبيدة عليه؟
أمّا ابن سيرين ـ نفسه ـ فجزم بأنّ الحارث أفضل الخمسة وأحسنهم ـ كما ذكر الذهبي ذلك في ترجمة الحارث من الميزان [13] .
وعلي حسب رواية الذهبيّ، فإنّ خلاف أهل الكوفة إنّما كان في الثلاثة أيّهم أفضل، علقمة ومسروق وعبيدة، وأمّا الحارث، فكان مقدَّمًا عندهم علي الجميع، ممّا يدلّ علي علوّ مكانة الحارث في نفوسهم، وأنّه مقدّمٌ علي أكابر التابعين الكوفيّين.
وبالوقوف علي ما كان لعبيدة وعلقمة ومسروق وشريح من المنزلة الرفيعة عند أهل الحديث والفقه من السلف، لاسيّما المعاصرون لهم؛ يظهر لك منزلة الحارث في العدالة والثقة والتفوّق في العلم، وأنّه ممّن يجب أن يكون في مقدّمة رجال الصحيح، بل يجب أن يكون سنده عن عليّ عليه السّلام أصحّ الأسانيد من غير شكٍّ، لأنّهم قالوا فيما ذكروه في أصح الأسانيد: محمّد بن سيرين، عن عُبيدة السلماني، عن عليٍّ.
فإذا ثبت عندنا أنّ الحارث كان مقدّمًا عند أهل الكوفة علي عبيدة، وأنّه أفضل منه وأعلم ـ كما قال ابن سيرين ـ كان بلا شكٍّ ـ علي ما يقتضيه النظر ـ أنّ حديثه عن عليٍّ عليه السّلام أصحّ من حديث عبيدة السلماني، عنه.
وكذلك قالوا ـ فيما قالوه في أصحّ الأسانيد ـ: إبراهيم النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود.
فيقتضي هذا أيضًا أن يكون حديث الحارث عن ابن مسعودٍ أصحّ من حديث علقمة عنه، لاتّفاق أهل الكوفة علي تقديم الحارث علي علقمة ـ كما حكي ابن سيرين ذلك من غير خلافٍ بينهم ـ بل ابن سيرين ـ نفسه ـ شهد بأنّ الحارث أفضلهم وأحسنهم.
وأمّا تكذيب الشعبيّ له، فقد ردّه عليه أئمّة الجرح وحكموا ببطلانه، بل جعلوا طعن إبراهيم النخعيّ في الشعبيّ؛ بكذبه في السماع من مسروقٍ عقوبةً من الله تعالى له، حيث تعدّي علي الحارث في لمزه بالكذب، وقد ذكرتُ القصّة في «الباحث» .
وحتّي لو لم يردّ أحدٌ طعن الشعبيّ في الحارث فهو باطلٌ، لأنّه غير مفسّرٍ ولا مبيَّن السبب، وهو مردودٌ اتّفاقًا، لاسيّما إذا كان معارضًا بالتوثيق ممّن هو أرجح منه، وهو العدد الجمّ من الأئمّة الذين وثّقوه، ورووا عنه، وأثنوا عليه بالفقه والعلم وسعة الرواية، حتّي فضّلوه ـ لأجل ذلك ـ علي علقمة ومسروقٍ وشريحٍ، بل وعبيدة السلمانيّ ـ كما ذكرنا ـ.
ولا يخرج تكذيب الشعبي له عن أن يكون من كلام الأقران في بعضهم بعضًا، وذلك معروف مشهور بين أهل العلم، وعقد له ابن عبدالبرّ في «جامع بيان العلم» بابًا خاصًّا استوفي الكلام فيه علي ذلك [14] .
ولذلك لم يلتفت أهل الجرح إلي مَنْ تُكلّم فيه بسبب المعاصرة ـ كما يُعلم ذلك من كتب الرجال ـ ولو عملوا بمقتضاه لما بقي في يدهم راوٍ واحدٍ يُحتجّ به.
بل قال الذهبيّ رحمه الله تعالى في مقدّمة رسالته في «الرواة الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم» [15] ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه:
وما زال يمرّ بي الرجل الثَبْت، وفيه مقالُ من لا يُعبأ به، ولو فتحنا هذا الباب علي نفوسنا لدخل فيه عدّةٌ من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعضُ الصحابة كفّر بعضهم بتأويلٍ مّا.
ثم قال بعد كلامٍ: وهكذا كثيرٌ من كلام الأقران بعضهم في بعضٍ، ينبغي أن يُطوي ولا يُروي، ويُطرح ولا يُجعل طعنًا، انتهي كلام الذهبيّ رحمه الله.
قلت: ولو عملنا بكلام الأقران في بعضهم البعض، لطرحنا ـ لأجل ذلك ـ حديث الشعبيّ نفسه، فقد كذّبه إبراهيم النخعيّ في دعواه السماع من مسروقٍ، لاسيّما وقد فسّر جرحه له، وبيّن سببه، ومع ذلك لم يلتفت أحدٌ إلي كلام إبراهيم النخعيّ في الشعبيّ، لأنّه صدر عن أمرٍ خارجٍ عن حقيقته، فلا يُعتبر به.
(10) الطبقات الكبري: 6 / 168.
(11) اُنظر: المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان: 2 / 557 وتهذيب الكمال: 5 / 249 ـ 250 وتهذيب التهذيب: 1 / 411 والميزان: 2 / 172.
(12) ميزان الاعتدال: 2 / 172.
(13) ميزان الاعتدال: 2 / 172.
(14) اُنظر جامع بيان العلم: 2 / 1087 ـ 1119.
(15) الرواة الثقات المتكَّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم: 23.