الصفحة 3 من 13

ولو لم يكن دليلٌ علي توثيق الحارث، وجَعْله في الطبقة الاُولي من أهل العدالة، وتقديمه علي أغلب رجال الصحيح إلّا هذا؛ لكان كافيًا لأهل العلم في ذلك، ومغنيًا عن غيره من الأدلّة.

لأنّ من المقرّر عند أهل الحديث، أنّ من الاُمور التي يعرف بها عدالة الراوي وكونه ثقةً، شهرته بذلك بين أهل بلده ووطنه، وربّما كان عندهم هذا أعلي وأرقي في التعديل والتوثيق من ثناء رجلٍ واحدٍ من أئمّة الجرح عليه.

وهو وجيهٌ من جهة النظر ـ كما لا يخفي ـ لما تفيده الشهرة من العلم بذلك ما لا يفيده تعديل الرجل الواحد.

وقليلٌ من الرواة الثقات من تكون لهم هذه المكانة في الشهرة بالعلم والرواية التي تغني عن الثناء عليه، والنصّ علي ذلك من إمام من أئمّة الجرح.

فلو قال قائلٌ: إنّ الحارث الهَمْدانيّ من الطبقة الأولي، والدرجة المُثْلي في العدالة والضبط، وإنّ حديثه من الصحّة والثبوت بما تقتضيه منزلته في ذلك؛ لكان صادقًا في قوله، مؤيَّدًا بالدليل الذي لا يمكن نقضه.

يُضاف إلي هذا توثيق الأئمّة من أهل عصره له، وأخذهم عنه، وشهادتهم له بالتفوّق في العلم علي غيره.

وأوّل من اعتمد عليه في الرواية عنه، والأخذ منه سيدا شباب أهل الجنّة ـ الحسن والحسين ـ عليهما السّلام.

فقد روي ابن سعدٍ في الطبقات [4] ، عن الشعبيّ، قال: رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الأعور عن حديث عليٍّ.

ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «الجرح» [5] .

فهذا الشعبيّ ـ نفسه ـ يُخبر أنّه رأي الحسن والحسين عليهما السّلام يسألان الحارث عن حديث عليٍّ عليه السّلام. وفي هذا أعظم دليلٍ، وأكبر حجّة، وأقوي برهانٍ علي أنّه ثقةٌ عندهما، عنده من حديث عليٍّ ـ والدهماعليه السّلام ـ ما لا يوجد عند غيره.

قد يقول قائلٌ: إنّ الرواية عن شيخٍ لا تدلّ علي كون الراوي عنه يوثّقه.

إلّا أنّا نقول: مثل الحسن والحسين في العلم والجلالة في الدين؛ لا يأخذ الحديث عمّن عُرف بالكذب وعدم الصدق في الرواية، لأنّهما يعلمان قبح ذلك، وأنّه لا فائدة في الأخذ عن الكذّاب، بل فيه الإثم، لأنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله يقول: «مَن حدّث عنّي بحديثٍ يري أنّه كذبٌ فهو أحد الكذّابين» [6] .

ومن روي عن الكذّاب ونشر حديثه بين الناس فهو داخلٌ في هذا الوعيد، وحاشا الحسن والحسين عليهما السّلام أن يجهلا هذا الوعيد، أو يستخفّا بهذه الكبيرة، حتّي يستجيزا الرواية عن الكذّاب.

فرواية الحسن والحسين عن الحارث تردّ طعن الشعبيّ فيه بالكذب، وتظهر أنّه أراد به ـ إن سُلّم ذلك له ـ الكذب في الرأي ـ كما قال أحمد بن صالحٍ المصري [7] .

ولهذا قال الحافظ الكبير أبو حفص بن شاهين في «الجزء الذي ذكر فيه من اختلف فيه العلماء ونقّاد الحديث، فمنهم من وثّقه ومنهم من ضعّفه، ومن قيل فيه قولان» ـ وهو مطبوعٌ في آخر «تاريخ جرجان» ـ قال ـ بعد أن ذكر قول الشعبيّ: الحارث الأعور أحد الكذّابين ـ ما نصّه ـ:

قال أبو حفصٍ: وفي هذا الكلام من الشعبيّ في الحارث نظرٌ، لأنّه قد روي ـ هو ـ أنّه رأي الحسن والحسين يسألان الحارث عن حديث عليٍّ، وهذا يدلّ علي أنّ الحارث صحيحٌ في الرواية عن عليٍّ، ولولا ذلك لما كان الحسن والحسين ـ مع علمهما وفضلهما ـ يسألان الحارث، لأنّه كان وقتَ الحارث مَنْ هو أرفع من الحارث من أصحاب عليٍّ، فدلّ سؤالهما للحارث علي صحّة روايته.

ومع ذلك، فقد قال يحيي بن معين: ما زال المحدّثون يقبلون حديثه، وهذا من قول يحيي بن معينٍ ـ الإمام في هذا الشأن ـ زيادةٌ لقبول حديث الحارث وثقته.

وقد وثّقه أحمد بن صالح المصريّ ـ إمام أهل مصر في الحديث ـ فقيل لأحمد ابن صالح: قولُ الشعبيّ: حدّثنا الحارث وكان كذّابًا؟، قال أحمد بن صالح: لم يكن بكذّابٍ، وإنّما كان كذبه في رأيه، انتهي كلام ابن شاهين في الجزء المذكور [8] . فمَن الذي يعترض ـ بعد هذا ـ علي من يقول بتوثيق الحارث؟!.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الحارث كان عنده من حديث عليٍّ عليه السّلام ما لا يوجد عند غيره، كما يدلّ علي ذلك ما رواه ابن سعدٍ [9] عن علباء بن أحمر: أنّ عليّ بن أبي طالبٍ عليه السّلام خطب الناس فقال: مَن يشتري علمًا بدرهم؟ فاشتري الحارث الأعور صُحُفًا بدرهمٍ، ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا، ثم إنّ عليًّا خطب الناس بعدُ فقال: يا أهل الكوفة، غلبكم نصف رجلٍ.

وهذه أيضًا شهادةٌ من عليّ عليه السّلام بفضل الحارث، وأنّه من أهل العلم الذين يؤخذ عنهم، وأنّه غلب أهل الكوفة في العلم، ولو كان متّهمًا في ذلك لبيّن عليٌّ أمره، وحذّرهم منه.

ولم يُوثَّق أحدٌ علي لسان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فوق المنبر ـ علي رؤوس الناس ـ كما وُثّق الحارث، وهذا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدّمون الحارث الأعور في صلاتهم، لأنّه كان أعلمهم بالسُنّة، ومن كان كذلك فهو أولي بالإمامة.

وكانوا يقدّمونه في صلاتهم علي الجنائز، لأنّه أفضلهم، وأهل الفضل أولي بالصلاة علي الجنازة.

(4) الطبقات الكبري: 6 / 168.

(5) الجرح والتعديل: 3 / 79.

(6) الجامع الصغير: 524.

(7) تهذيب التهذيب: 1 / 411.

(8) تاريخ جرجان: 559 ـ 560.

(9) الطبقات الكبري: 6 / 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت