والألبانيّ ـ نفسه ـ يعلم هذا ويلمسه، بل ويسمعه ويشاهده، ووطنه الذي ينتمي إليه، وعُرف بالانتساب إليه، يحكمه الشيوعيّون، بل المتطرّفون منهم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وإخوانه يذوقون الويل والعذاب من تسلّطهم، فكان ينبغي للألبانيّ قبل الهجوم علي العلماء وأئمّة السلف، والسعي بين المسلمين بالفرقة ـ بقصدٍ أو بدون قصدٍ ـ أن يكرّس جهوده، ويوجّه لسانه ـ علي الأقلّ ـ لدعوة الألبانيّين ـ إخوانه ـ للجهاد، وقتال الشيوعيّين الملاحدة، مع أنّي لم أسمع عنه شيئًا يتعلّق بهذا الأمر مطلقًا.
بل كان الواجب عليه أن يكون أوّل الحاملين للسلاح لتحرير بلاده من حكم الملاحدة، وعند ذلك يعطي الدليل ـ وألف دليل ـ علي غيرته علي الإسلام، ونصيحته لدينه، والدفاع عن أهل ملّته.
أمّا حمل القلم، وتجريد اللسان للطعن في أئمّة المسلمين، وحماة الشريعة من رجال السلف والخلف، والدعوة إلي الخلاف والشقاق في أمورٍ تافهةٍ للغاية؛ فذلك لا يجمل صدوره من مسلمٍ عامّيّ، فضلًا عمّن يدّعي خدمة الإسلام، ونشر السُنّة الُمحمّدية، وينصب نفسه لإرساء القواعد للدولة الإسلامية إلي درجة أنْ يدخل من أجل ذلك في مداخل لا قِبَلَ له بها، ولا تقرّها السُنّة النبويّة التي نصب نفسه للدعوة إليها، لأنّ صاحبها ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمرنا أن لا ننازع الأمر أهلَه.
أقول: لا يجمل بمسلمٍ عامّيٍّ في هذا الوقت الذي أصاب البلاد الإسلامية سرطان الارتداد، ونَبْذ الدين، والخروج منه جملةً؛ بما دخل إليها بواسطة عملاء الشيوعيّة الملحدة، والصليبيّة، والصهيونيّة، وغيرهم من عملاء المذاهب الضالّة الهدّامة، كالوجوديّة، والبهائيّة، والقاديانيّة، والماسونيّة، حتّي صار تسعون بالمائة من الشباب مُلْحِدًا، مارقًا، منحلًّا، لا يُقرّ بدين، ولا يقول بعقيدة.
لا يجمل بمسلمٍ ـ أبدًا ـ في هذا الوقت العصيب الذي خرج فيه الناس من دين الله أفواجًا، أن يسعي السعي الحثيث، ويعمل جهدَه، ويصرف طاقته الفكريّة والمادّية في نشر الخلاف، وبثّ الشقاق بين البقيّة الباقية من المسلمين ـ أهل لا إله إلّا الله ـ الذين لا يستطيع الألبانيّ ـ مهما حاول من مغالطات، وارتكب من شذوذٍ ـ أن يخرجهم من دائرة جماعة أهل السُنّة عند السلف والخلف، والذين لا يجوز ـ لأجل ذلك ـ تكفيرهم، أو منع الصلاة خلفهم، وعليهم، أو معاملتهم بغير ما يُعامل به المسلم الذي حرّم الله تعالى دمه، وماله، وعرضه، لأنّهم من أهل «لا إله إلّا الله» التي يثقل بها ميزانهم يوم يقوم الناسُ للحساب، مهما ارتكبوا من موبقاتٍ، ومهما خرجوا عن الطريق، وفعلوا وفعلوا، كما يشهد بذلك حديث البطاقة [3] ـ وهو معروفٌ مشهور، متداول بين أهل الحديث، خصّه كثيرٌ منهم بالتأليف والتصنيف ـ لأنّه حديثٌ قاصمٌ لظهر كلّ من يريد أن يحجُر علي أهل لا إله إلّا الله رحمةَ الله تعالى، وفضلَه، ومغفرتَه التي وعد بها قائلَها، فيدخل الجنّة منهم من اتّبعه، ورأي رأيه، ويدخل النار من خالفه، ولو كانت المخالفة في الأمور التافهة التي لا تُغني العامل بها ولا تسمنه من جوعٍ.
أقول: لا يجمل بالمسلم الناصح، أن يسعي بين جماعة المسلمين ـ في هذا الوقت ـ بالتفرقة، وبثّ الشقاق والخلاف في أمورٍ تافهة للغاية، إثمها أكبر من نفعها ـ إن كان فيها نفعٌ، وإلّا فإثمها محقّقٌ ـ وضررها قد ظهر للعَيان، وأصاب ما تبقّي من هذه الطائفة المسلمة ـ طائفةِ أهل السُنّة والجماعة ـ في صميم مجتمعها بما نجَم عنه من الخلاف، والتنافر، والتناحر، وتفريق الشمل، واللمز بالتبديع، بل والتكفير بما لا يُعدّ كفرًا ولا بدعةً، حتّي وصل ضرر ذلك إلي المصلّين في مساجدهم، وأهلِ العلم في حلقة علمهم ودرسهم.
وكلّ ذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ بسبب هذه الأباطيل، والخلافات الواهية، التي كرّس لها المفتونون جهدهم بنشرها بين العامّة وضعفاء العقول من طلبة العلم، فعمَّ البلاء بها، واتّسع خرقها علي الراقع، وتنكّرت بسببها القلوب بعد أن كانت مؤتلفةً، وبلغ الحال إلي تعدّد الجماعات في الوقت الواحد في المسجد الواحد، وإلي إعراض الأب عن ابنه، والابن عن أبيه، ومخاصمة الأخ لأخيه، ورمي المسلم أخاه بالبدعة والضلال، والخروج عن الإسلام، وترك التحيّة بينهما بالسلام؛ ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
ولنرجع إلي بيان جهل الألبانيّ فيما اعترض به علي من وثّق الحارث، فنقول:
إنّ الحارث ثقةٌ، عدل، رضيّ، وثّقه جماعة السلف والخلف، واعتمدوا علي روايته، واحتجّوا بحديثه، لأنّه إمامٌ من أئمّة العلم والحديث في الكوفة.
وروي عنه الأكابر من رجال العلم، وقدّمه أهل الكوفة علي غيره في العلم، وفي الصلاة بهم؛ في الوقت الذي كانت فيه عامرةً بسادات التابعين، وأئمّة العلم والرواية، حتّي كانوا يقدّمونه علي المشاهير من أئمّة التابعين، كعُبيدة السلمانيّ، وعَلْقمة، ومسروقٍ، وشُرَيحٍ.
(3) سنن الترمذي: 5 / 24 ـ 25 ح2639، سنن ابن ماجه: 2 / 1437 ح4300.