يرد الله خيرًا يفقهه في الدين"، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم:".. ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعَلَّم من لا يَعْلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا"،وقال - صلى الله عليه وسلم:» إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا « (3) ."
فتعليم الناس العلم الشرعي، وتربيتهم على عقيدة السلف، هو أول طريق جمع الكلمة ولم الشتات، وعلى طلبة العلم الأخذ من أفواه الشيوخ والعلماء وعدم الاتكال على الكتب والصحف فذلك هو سبيل السلف في أخذ العلم وتلقيه، فسيرة الشيخ و سلوكه جزء من العلم الذي يأخذه عنه التلاميذ، فإذا سلك الشيخ في أخذه وأدائه وتعليمه منهج السلف في الأخذ والفهم والتعليم، وعلم طلابه أدب الطلب قبل العلم، وأدب الاختلاف قبل الخلاف، وأسلوب الحوار قبل الجدال، والانتصار لله لا للنفس، وقبول الحق ولو كان على لسان الخصم وعدم أخذ الناس بالظن، أو البحث عن عثراتهم ومعايبهم، أو تجريحهم بما لا يجرح، وغرس في نفوسهم حب الله وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم -، واحترام السلف وانزالهم منازلهم التي يستحقونها، إلى غير ذلك مما أثر عن سلفنا الصالح، إذا فعل أهل العلم - طلابًا وشيوخًا - ذلك الأمر فسيتغير الحال، وتنجلي الغمة، وتتفق الكلمة وتقوى الأمة، ويعز الله جنده ويمكن لهم في أرضه، وهذا أمل نرى بوادره آخذة في الظهور فحلقات الدروس، وندوات المساجد والمحاضرات المختلفة نرى الاقبال عليها كبيرًا، والرغبة فيها شديدة، وأثرها على طلاب العلم خاصة، وعلى المجتمعات الإسلامية عامة بَيَّن ظاهر، رغم ما نرى في هذه المجتمعات من مظاهر الانحراف والفساد.
ومادام الكتاب والسنة المصدر هما المرجع عند الاختلاف، فعلى كل طائفة أن تنظر بعين الانصاف لترى ماذا تركت من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو أوُلت من نصوصهما، أو ردت من أحكامهما، وعلى أهل العلم أن يلتقوا ليأخذوا الحق من مصدره، ولا تمنع الأنفة المخطئ من الرجوع إلى الحق اذا ظهرت حجة خصمه إن كان صادقًا في بحثه وحواره، لأن من كانت بغيته الحقيقة وهدفه الهدى والسلامة من الضلال، فظهور الحق مع خصمه يسعده ويرضيه كظهوره على يديه، أما من كان خصامه وجداله لشخصه لا للحق فإن هواه يمنعه من اتباع الحق إذا كان مع مخالفه.
ولقد كان أئمة أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح مثالًا يحتذى في أدب الحوار والنقاش، وفي أدب التعلم والتعليم، فهذا أحدهم يقول: ما جادلت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق على لسانه،