فإذا لم تجمعهم العقيدة الراسخة المستمدة من الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة فما الذي يجمعهم إذًا؛ هل تجمعهم المصالح المشتركة؛ أو المصير المشترك؛ إن العقيدة هي الأصل وهي عنصر الاجتماع والوفاق، كما أنها سبب الخلاف والعداء والفرقة، والداعي إلى الله عليه أن يتبين خطواته، وأن يعرف موقعه بين ثلاث وسبعين فرقة حتى لا يكون من دعاة الضلالة الذين يدعون إلى النار وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
إن الصدق في البحث عن الحق هو أول أسس الوفاق والاجتماع، فإذا صدق المختلفون من الدعاة في طلب الحق وُفقوا إليه أو أجروا عليه، والكتاب والسنة النبوية هما الأصل، وإليهما المصير عند الاختلاف، كما أن فهم الصحابة والتابعين من سلفنا الصالح لنصوصهما أصل أمرنا بالأخذ به واتباعهم فيه بنص الكتاب والسنة.
وإذا كان الأمر كذلك فلننظر فيهما ونقف عند حدودهما فسنجد دون شك فيهما ما يحسم الخلاف ويجمع الشتات ويؤلف بين القلوب المتنافرة، والعقائد المتباينة فتصبح الأمة يدًا واحدة، والدعاة صفًا واحدًا، وبين يدي ذلك علينا أن نعلم أن الاختلاف الواقع بين الأمة أمر نحن منه على بينة، فقد أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما أن هذا الاختلاف قديم فقد وقع في عصر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمنعنا علمنا بوقوع هذا الاختلاف وقدمه في الأمة من العمل على جمع الشمل ولم الشتات وتوحيد الكلمة، ذلك أن الذي أخبر بوقوع الاختلاف والفرقة قد أخبرنا بطريق النجاة، وأعلمنا المخرج من تلك الفتن، وجعل اتباع ما كان عليه هو - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هو الحق والصواب الذي لا محيد عنه، وألزمنا أن ندعو من ضل الطريق أو جهل المخرج إلى سواء السبيل، وهذه مهمة سلفنا الصالح فيما مضى، وهي مهمة الدعاة الآخذين سبيلهم اليوم، وهل يظن أحد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر أمته باختلافها إلى فرق وأحزاب ولا يخبرها بالمخرج من الفرقة والاختلاف، ولا يبين لها طريق الحق والصواب لتسلكه وتتخذه سبيلًا حتى تسلم من الوقوع في النار التي أخبر أن من ضل طريق الحق كان مستحقًا لها؟ لا يظن به ذلك إلا منافق أو كافر، ويكفي في رد هذا الظن السيئ قوله - صلى الله عليه وسلم:"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" (1) ، وللحديث طرق أخرى.