وأن الأمل في زوال هذا الذل وهذه المهانة هو أمل فيما وعد الله عباده الصادقين المتقين من تمكين لهم في الأرض، أما كيف يكون هذا التمكين؟ ومتى يتحقق؟ فهذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه الحلقة -إن شاء الله تعالى-.
بين -سبحانه وتعالى- في آية سورة النور صفات المستحقين للتمكين فقال: (( وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) ) [55] .
فالإيمان بالله والعمل الصالح وعبادة الله وحده دون إشراك به هي الصفات التي يستحق من اتصف بها الاستخلاف في الأرض والتمكين وتبديل الأمن بالخوف، وما لم تكن عبادة الله خالصة من كل ما يشوبها من أنواع الشرك فلن يحصل الأمن ولا التمكين، ولا تكون العبادة خالصة إلا بالعقيدة الصافية، فالعقيدة هي الأصل وعنها تقبل الأعمال أو ترد، ولذا قدم -سبحانه- ذكر الإيمان على العمل فقال: (( الذين امنوا وعملوا ... ) )فالعمل من غير إيمان بالله لا قيمة له، وكذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل الخالص الموافق للشرع.
والناظر في أحوال الأمة يجد الاختلاف والفرقة والتشتت بين بلدانها وشعوبها، بل بين أناسي البلد الواحد والشعب الواحد، وأسباب هذا الاختلاف كثيرة نذكر منها:
ظهور القوميات الجاهلية المبنية على التعصب للقوم أو الجنس أو البلد، وهذه العصبيات أذكاها الاستعمار الأوربي لبلاد المسلمين.
ومنها ظهور التيارات الفكرية المرتبطة بالغرب النصراني أو بالشرق الشيوعي، وكان أثر هذه التيارات والأحزاب في عقيدة الأمة وفكرها قويًا بحيث قل أن تجد مثقفًا لا يميل أو ينتسب إلى حزب من تلك الأحزاب أو جبهة من تلك الجبهات المتعددة الأهواء والاتجاهات والتي يجمعها - غالبًا - التنكر للإسلام عقيدة وشريعة، أو إضعاف أثره في الأمة وعدم الثقة في إمكان قيام الدولة على أسس منه، إضافة إلى ما زرعه المستعمرون من حروب وعداوات بين شعوب العالم الإسلامي، فقلما تجد دولة لا تضمر لجارتها عداوة أو تخشى منها حربًا.
وهذه الاختلافات وغيرها تحتاج إلى دراسة وبيان لكيفية الخلاص من آثارها مما لا يتسع المقام لذكره، لكننا هنا سنعرض إلى سبب آخر غير ما تقدم أحسبه جديرًا بالتنبيه لخطورة أثره، ذلكم هو الاختلاف الناشئ عن العقيدة في صفوف الدعاة إلى الله.