الصفحة 31 من 530

أمْر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا"؛ أي: لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال - تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] ."

قال في"فتح المجيد":"فإذا كانت البلوى قد عمَّت في هذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأَمْر بعد ذلك إلا شِدة، حتى وقعت الموالاة على الشرْك والبدَع، والفسُوق والعصيان، وقد وقع ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ ) ) [1] ، فلا بد من إيثار ما أحبَّه الله من عبده وأراده، على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه، ويوالي فيه ويُعادي فيه، ويتابع رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله، التي هي محبة الأنداد من دون الله، لما يتعَلَّق في قُلُوب المشركين مِن الإلهية، التي لا تجوز إلا لله وحده، قال ابن رجب - رحمه الله: الدرجة الثانية منَ المحبَّة لله درجة السابقين المقرَّبين، وهي أن ترتقي المحبةُ إلى محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهَة ما يكرهه من دقائق المكروهات، وإلى الرِّضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلِم النفوسَ منَ المصائب، إلى أن قال: فقد تبيَّن بما ذكرناه: أنَّ محبة الله إذا صدقتْ أوجبتْ محبةَ طاعته وامتثالها، وبُغض معصيته واجتنابها، وأما الأسباب التي تستجلب بها محبة ربِّ الأرباب، فمِن ذلك:"

1 -معرفة نِعَم الله على عباده، التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ، وقد جُبلت القلوب على محبة مَن أحسن إليها، والحب على النِّعَم من جملة شكر المنْعم، ولهذا يقال: إن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح.

2 -ومن الأسباب أيضًا: معرفة الله - تعالى - بأسمائه وصفاته وأفعاله، فمَن عرف الله أحبَّه، ومَن أحب الله أطاعه، ومَن أطاع الله أكرمه، ومَن أكرمه الله أسكنه في جِواره، ومَن أسكنه في جواره فطُوبى له.

3 -ومِن أعظم أسباب المعرفة الخاصة: التفكُّر في مَلكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، وفي القرآن شيءٌ كثير من التذكير بآيات الله الدالة على عظمته وقدرته، وجلاله وكماله وكبريائه، ورأفته ورحمته، وبطشه وقهْره وانتقامه، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، فكلَّما قويتْ معرفة العبد بالله، قويتْ محبته له ومحبته لطاعته، وحصلتْ له لذَّة العبادة من الصلاة والذِّكْر وغيرهما على قدر ذلك.

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت