الصفحة 30 من 530

وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور: 47] ، فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الله ورسوله، فإذا كان لا يحصل الإيمان إلا بتقديم محبته - صلى الله عليه وسلم - على الأنفُس والأولاد والآباء والخلْق كلهم، فما الظن بمحبة الله - عز وجل؟ وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان، ومن علامات وُجُود حلاوة الإيمان في القلوب؛ ففي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ثلاث مَن كنَّ فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار ) )، قال النووي: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمُّل المشاق، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله بفِعْل طاعته، وترْك مُخالفته، وكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ابن رجب - رحمه الله: ومحبة الله - سبحانه - على درجتَيْن؛ أحدهما: فرْض لازم، وهي أن يحب اللهَ - سبحانه - محبة توجِب له محبة ما فرَضه الله عليه، وبُغض ما حرَّمه عليه، ومحبة رسوله المبلِّغ عنه أمْرَه ونهيه، وتقديم محبته على النفوس والأهلين أيضًا كما سبق، والرِّضا بما بلَّغَه عن الله من الدِّين، وتلقي ذلك بالرِّضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان لله - عز وجل - وبُغض الكفار والفجَّار لله - عز وجل - وهذا القدْر لا بد منه في تمام الإيمان الواجب، ومَن أخلَّ بشيء منه، فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك؛ قال الله - تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، وكذلك ينقص مِن محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإنَّ المحبة الواجبة تقتضي فِعل الواجبات، وترْك المحرَّمات، ولهذا المعنى كان الحبُّ في الله والبُغض في الله مِن أصول الإيمان. ا. هـ [1] .

وخرَّج التِّرمذي مِن حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل إيمانه ) )؛ وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: (( وأنكح لله ) )، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وخرج ابن جرير عن ابن عباس قال:"مَن أحب لله، وأبغض لله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك، ولن يجدَ عبدٌ طعمَ الإيمان، وإن كثرتْ صلاتُه وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارتْ عامة مؤاخاة الناس على"

(1) من كتاب"استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس"، لابن رجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت