نجد من خلال ذلك أنّ للشعراء الجاهليين فضل السبق في تقديم هذا التّراث الثّري، والحفاظ عليه وديمومته، كما يجب علينا أن لا ننسى الجهود المخلصة التي قدّمها الرّواة والعلماء والنّقاد والأدباء والباحثون في لملمة هذه الثروة العظيمة، وتدوينها والحفاظ عليها، فلولاهم لما وصل إلينا هذا التّراث الأدبي بهذا الشّكل الرائع.
انطلاقًا من هذه القيمة الأدبية التي يمتلكها الشعر ولاسيما الشعر الجاهلي، أرتأى البحث أن يتناول (بنية القصيدة في شعر النابغة الذبياني - دراسة تحليلية وتطبيقية) ، إذ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفضله، على الشعراء أكثر من مرّة، ونوّه به أيضًا من وقف عند شعره من الباحثين والأدباء [1] ، كما فضّله الأصمعي على سائر شعراء الجاهلية، وعّده أوّل الفحول [2] .
بعد هذا المدخل النظري لابدّ هنا من الإشارة الى أنّ بنية القصيدة في شعر النابغة الذبياني التي هي محور البحث تتوزع على البنى الآتية:
1 -بنية القصائد ذوات الموضوع الواحد:
لا يوجد في ديوان النابغة سوى أربع قصائد ذوات الموضوع الواحد، ومن هذه القصائد ما يمكن أن تكون قصيدة مكتملة سقطت منها مقدمتها ورحلتها، لكنّها تبدو مكتملة لا نقص فيها، وما يرجّح أنّها مكتملة ما نجد فيها من معان وعواطف تقترب من الهمّ الذّاتي، فهذه القصائد تتوزع على الشكل الآتي:
أجزاء القصيدة
مطلع القصيدة ... غرض القصيدة ... عدد ابياتها ... بحر القصيدة ... الصفحة الواردة فيها
ألا أبلغا ذبيان عنّي رسالةً ... عتاب ... 18 ... الطويل ... 153
أمن آل ميّة رائحٌ أو مُغْتَدِ ... غزل ... 34 ... الكامل ... 89
نُبِّئْتُ زرعهُ والسفاهةُ كاسْمِها ... هجاء ... 28 ... الكامل ... 54
إني كأنّي لدى النُّعمانِ خَبَّرهُ ... مدح ... 16 ... البسيط ... 49
بدأ الشاعر بقصيدته التي يقول فيها معاتبًا قومه ذبيان وبني مرّة ويذكر حالهم معه:
ألا أبلغا ذُبيان عنّي رسالةً ... فقد أصبحتْ عنْ منهج الحقّ جائِرَهْ
أَجِدَّكُمْ لَن تَزْجُروا عن ظُلامةٍ ... سفيهًا، ولنْ ترعوا لذي الوُدِّ آصِرَهْ
(1) ينظر: م. ن: 1/ 157/ 158، 168.
(2) فحولة الشعراء: 12.