الصفحة 5 من 28

ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم من ماء الى ماء، وانتجاعم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشّوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به اصغاء الاسماع اليه لأنّ التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب ... فإذا علم أنّه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقّب بايجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسّهر، وسرى اللّيل وحرّ الهجير، وانضاء الرّاحلة والبعير. فإذا عَلِمَ أنّه قد أوجب على صاحبه حقّ الّرجاء، وذمامة التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزّه للسّماح )) [1] .

فابن قتيبة في تفسيره هذا نظر الى القصيدة الجاهلية على أنها قصيدة غرضها المدح، وأنّ الهدف من المدح هو التكسب فقط، ومن تفسيره هذا تكتشف أنّه تجاهل الصور الأخرى للقصيدة القديمة، فلم يشر الى القصيدة ذات الموضوع الواحد، ولم يشر الى القصيدة المتعدّدة الأغراض التي تبدأ بالغزل او البكاء على الشباب او الخمرة، وقد تكون القصيدة بدون رحلة، هذا الحكم الجزئي الذي لا ينطبق على كثير من نماذج الشعر القديم، أثار ردودًا كثيرةً لدى المحدثين [2] ، ولكن يكفى ذلك أنّ ابن قتيبة قد فتح الطريق أمام النقاد القدماء والمحدثين للنظر الى القصيدة ككيان متكامل يؤدّي كلّ جزء فيه دورًا مهمًّا [3] .

قبل البدء في صلب الموضوع لابدّ هنا من الإشارة الى أنّ ابن قتيبة قد قسّم الشّعر الّذي تبنى عليه القصيدة على أربعة أضرب [4] ، وبيّن لكّل ضرب ما يحسّنه ويقويه وما يضعفه ويحطّ من شأنه، كما أنّه وضع الشعراء الجاهليين والاسلاميين كلّ حسب موقعه ومكانته الشعرية [5] ، إذ

(1) الشعر والشعراء: 1/ 74، 75.

(2) ينظر: مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 226، وبناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث: 279، 280.

(3) ينظر: مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 216، 219، وحديث الأربعاء: 1/ 31، وشعر أوس بن حجر ورواته الجاهليين: 242.

(4) ضرب منه حَسَنٌ لفظه وجاد معناه، وضربٌ منه حَسَنٌ لفظه وحلا، وضربٌ منه جاد معناه وقصُرت ألفاظه عنه، وضربٌ منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه. الشعر والشعراء: 64، 66، 68، 69.

(5) ينظر: الشعر والشعراء: 1/ 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت