الصفحة 3 من 28

التمهيد

لما كانت بنية القصيدة في شعر النابغة الذبياني هي محور البحث فعلينا أن نلقي الضّوء على تلك البنى:

أولًا: بنية القصائد ذوات الموضوع الواحد

ربما لانستطيع أن نجزم على قصيدة أنّها ذات موضوع واحد فقط، فمن المحتمل أن تكون ذات موضوعات متعددة سقطت منها مقدماتها التقليدية بفعل الرّواية الشفهية وأذواق الرّواة وظروفهم كوصف النّاقة وغيره، ولم يبق سوى أبيات الغرض، ولكن هذا لا يعني أنّ جميع القصائد ذوات الموضوع الواحد هي بقايا قصائد ذوات افتتاح ورحلة، فهنالك أغراض شعرية كان الشاعر يهجم فيها على الغرض دون مقدمات، وهذا النوع من القصائد لم يستهو النقاد القدماء الذين فضّلوا القصيدة المكتملة ذات الأغراض المتعددة على القصيدة ذات الغرض الواحد، فإذا نظرنا الى المعلّقات التي جمعها حماد نجد أنّ هذا الذّوق كان مسيطرًا عليه، وقد كان يمثّل ذوق عصره، ويشير الجاحظ الى ذلك، إذ يقول: إنّ (( القصيدة اذا كانت كلّها أمثالًا لم تسر ولم تجر مجرى النوّادر، ومتى لم يخرج السامع من شيء الى شيء لم يكن لذلك النّظام عنده موقع ) ) [1] .

وقد نعت النّقاد القصيدة ذات الغرض بنعوت تدلّ على عدم ميلهم إليها، يقول ابن رشيق: (( ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطًا من النسيب بل يهجم على ما يريده مكافحةً، ويتناوله مصاحفةً، وذلك عندهم هو الوثب، والبتر، والقطع والكسع، والإقتضاب، ... والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء ) ) [2] ، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ هذه البنية وجدت عند معظم الشعراء الجاهليين، وازداد ظهورها في العصور التي تلت هذا العصر، وسوف نرى أنّ عددًا من قصائد النابغة الذبياني كانت من هذا النوع، وهذه الظاهرة يمكن أن نرجعها الى ضياع مقدمات تلك القصائد من ناحية، ومن ناحية أخرى (( الى الموقف والوقت ) )وخاصّةً عند الشعراء الذين استوت قصائدهم أعمالًا فنية رائعة، ونعني بالموقف أنّ هذه القصائد

(1) البيان والتبيين: 1/ 118.

(2) العمدة: 1/ 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت