الصفحة 23 من 28

النعمان بنبيّ الله سليمان (عليه السلام) الّذي أرسله الله ليصلح شأن البريّة ويمنع ارتكاب الأخطاء والآثام، وبكلمة مختصرة يُقيم العدلَ، فيقول:

ولا أرى فاعلًا في الناسِ يُشبهه ... ولا أُحاشي منَ الأقوامِ مِن أحَد

الاّ سليمانَ إذ قال الإله له ... قُمْ في الريّةِ فاحْدُدْها عنِ الفَنَد

فمَنْ أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أَطاعَكَ وادْلُلْه على الرَّشَد

ومنْ عَصاكَ فعاقبه مُعاقَبةً ... تَنهي الظّلومَ ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ [1]

وهذا يؤكّد أنّ تشبيه الشاعر ناقَتَه بالحمار الوحشي والاستطراد في وصف حالته النفسية لم يكن بعيدًا عن جوّ القصيدة، فهو يدقّق في اختيار أوصاف مناسبة تلفت نظر النعمان إلى العدل، وتُشعره بالمسؤولية، وهنالك تشبيه آخر أقرب من هذا، إذ يطالب الشاعر النعمان بأن يكون مثل فتاة الحيّ في حكمه، وقدرة تميّزه كعدم خطأ فتاة الحيّ في دقّة حكمها على عدد الحمام على الرغم من كثرته واندفاعه، ويعني بذلك أي كُنْ حكيمًا في إصدار حكمك عليّ ولا تخطئ في أمري [2] ، قائلًا:

احكُمْ كحكم فتاة الحيّ إذ نظرتْ ... إلى حمامٍ شراعٍ واردِ الثّمد

يحفُّه جانبًا نيقٍ وتُتبعه ... مثلَ الزّجاجَةِ لم تُكحلْ مِنَ الرّمَد

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونِصفُهُ فقد

فحسَّبوهُ فألفَوْهُ كما حسَبَتْ ... تسعًا وتسعين لم تنقُصْ ولم تَزِدِ [3]

ويظهر هنا خوف النّابغة وطمعه بالأمان في قسمه هذا:

فَلا لَعَمْرُ الّذي مَسَّحْتُ كَعبتَهُ ... وما هُريقَ على الأنصاب منْ جسَد

والمُؤْمِن العائذاتِ الطّيَر يَمْسحُها ... رُكبانُ مكّةَ بين الغَيل والسَّعَد

ما قلتُ من سيِّءٍ ممّا أتيتَ به ... إذًا فلا رَفعتْ سَوْطي إليَّ يدي [4]

فما الّذي جعل النابغة يعرج بقسمه إلى ذكر تأمين الله تعالى للطيور في الحرم ومنع الناس من اصطيادها، والمؤمن العائذات؟ إنّه يطمح في مكانٍ آمن يلوذ إليه كهذه الطّيور، فهو لم يرتكب ذنبًا يستحق العقاب:

(1) ديوان النابغة الذبياني: 20، 21.

(2) ينظر: شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها: 260.

(3) ديوان النابغة الذبياني: 23، 24.

(4) م. ن: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت