الصفحة 24 من 28

إلاّ مقالةَ أقْوامٍ شَقيتُ بها ... كانَتْ مقالتُهم قَرْعًا على الكَبدِ [1]

إنّ طغيان الزّمن والقوّة الجبارة الّتي ظهرت في الأطلالِ والّتي توحي بعدم التكافؤ تظهر في موازنةِ الشاعر بين حالة ضعفه وقوّة النّعمان، هاتان الحالتان غير المتكافئتين، يضاف إلى قوّة النعمان كراهية بعض هؤلاء الوشاة، ودفعهم النعمان للانتقام، إنّها عواملٌ جارفة ستؤدّي إلى طمس واندثار علاقة الشاعر بالنعمان، وربّما يؤدّي ذلك إلى طمس حياة الشاعر بأكملها وتحويلها كتلك الأطلال إلى أشلاء، لذا فهو يطلب من النعمان التمهّل قبل أن يحكم على الشاعر في حالة غضب:

أُنبئتُ أنّ أبا قابوسَ أوعَدَني ... ولا قرار على زأرٍ من الأسد

مَهْلًا فِداءً لك الأقوامُ كُلُّهُمُ ... وما أُثَمِّرُ مِن مال ومن ولَد

لا تقْذِفنِّي برُكْنٍ لا كفاءَ له ... وإن تأثّفَكَ الأعداءُ بالِّرفَدِ [2]

وهكذا نجد أنّ أجزاء القصيدة متلاحمة فلا يعقل أن يقول النّابغة هذه القصيدة وهو يعاني من الخوف والظّلم فيقف على أطلال الحبيبة، ثمّ ينتقل الى الرّحلة دون أن يكون لهذا كلّه صلة بموضوعه الّذي يقلقه، إنّ الجوّ ليس جوًّا لذكر الأحباب الّذين مضوا، كما أنّه ليس جوًّا لوصف النّاقة والتفصيل في متابعة ثور وحشي، لقد استطاع النابغة تحميل أجزاء قصيدته همومًا تتناسب مع ما يذكره في غرضها، وكانت كلها تصبّ في هذه البوتقة.

وقد لاحظنا في القصائد الإعتذارية جميعها أنّها لا تبدأ بالغزل لحساسية هذا الموضوع وارتباطه بالخلاف بين الشاعر والنعمان، فمن غير المعقول أن يردّد أمام النعمان تصابيه، أو أن يظهر أمامه بمظهر المتصابي حتى لا يؤكّد تلك المقولة الّتي أشاعها الوشاة، لكنّه حينما اتّجه إلى ملك آخر بدأ قصيدته بمقدمة غزلية، منها مدحه لعمرو بن هند الملك المعروف بالتصابي بهذه القصيدة الّتي يقول في مقدمتها:

أتاركةٌ تَدَلُّلَها قَطامِ ... وضِنًّا بالتَّحيّة والكلام

فإن كان الدّلالَ فَلا تَلَجّي ... وإن كان الوداع فبالسّلام

فلو كانّتْ غداةَ البييْنِ منَتْ ... وقد رفعوا الخُدُورَ على الخيام

صفَحتُ بنظرةٍ فرأيْتُ منها ... تُحيتَ الخِدرِ واضعةَ القِرام

تَرائبَ يستضيءُ الحَلْيُ فيها ... كَجمْرِ النّارِ بُذِّرَ بالظّلامِ [3]

(1) ديوان النابغة الذبياني: 25.

(2) م. ن: 26.

(3) ديوان النابغة الذبياني: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت