الصفحة 22 من 28

الوشاة مع أنّ أدلّتهم لا تقف أمام ما يطرحه النابغة من أدلة والأيمان الّتي يرددها في كل اعتذاراته، ولكن النابغة لم يجد الجواب الشافي لما يطرحه:

وقفت فيها أصيلانًا أسائلُها ... عيّت جوابًا وما بالّربع من أحد

ولكي يسلى همّه يذهب إلى ناقته محاولًا نسيان الماضي، وقد نتوقع منه رحيلًا يبعده عن النعمان، ولكنّه يخيب ظنّنا ويعود في النهاية إلى النعمان، كأنّه يطالبه بفتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما:

فَعدِّ عمّا ترى إذ لا ارتجاع له ... وانْم القُتُودَ على عَيْرانةٍ أُجُد

مقذوفةٍ بدخيسِ النَّحضِ بازِلُها ... له صَريفٌ صريفُ القَعْوِ بالمَسدِ [1]

ويشبّه هذه الناقة بثور وحشي، لكنّ الفزع أيضًا يسيطر عليه حتّى في رحلته إلى النعمان، أنّه فزع خائف من عدم قبول عذره، فيظهر هذا الفزع والخوف في الثور الوحشي، وان كان يريد بذلك سرعة الناقة في الظاهر:

كأنّ رحلي وقد زالَ النّهارُ بنا ... بذي الجليل على مستأنسٍ وَحِد

من وَحْشِ وَجْرَةَ موشيٍّ أكارعُهُ ... طاوي المصير كَسَيْف الصّيقل الفردِ [2]

إنّ هذا الثّور يمثّل رمزًا للنّابغةِ الّذي يصارع الأهوال، تأتيه من كلّ جانب منفردًا، ولا يكاد يتخلّص من همٍّ حتّى يهجم عليه همّ آخر، فهاهو الثور يعاني من الجوع والمطر والبرد، ولم تكتف الأيّام بهذا بل يفاجئه صوت الصيّاد وكلابه، ويظلّ في صراعٍِ معهم حتّى ينتصر [3] ، وما هؤلاء الكلاب إلاّ أعداء النابغة الّذين وشوا به إلى النعمان:

أَسْرَتْ عليه من الجوزاء ساريةٌ ... تُزجي الشَّمالُ عليه جامِدَ البَرد

فارتاعَ من صوتِ كَلاّب فبات له ... طوع الشّوامتِ من خوفٍ ومن صَرَد

فَبثَهُنَّ عليه واستمرّ به ... صُمْع الكُعُوبِ بَريئاتٌ منَ الحَرَد

وكان ضُمْرانُ منه حيث يُوزِعُه ... طَعْنَ المعارك عند المُحجَرِ النجُد

شَكّ الفريصَةَ بالمدرى فأنفذها ... طعْن المُبَيْطِرِ إذ يَشفي مِن العَضدِ [4]

وعندما نصل إلى غرض القصيدة نجد أنّ الطمع في عدل النعمان والخوف من بطشه يسيطران على معظم أبيات القصيدة، وهذا الجوّ يكادُ يُسيطرُ على عاطفة الشاعر، فهو يشبه

(1) ديوان النابغة الذبياني: 16.

(2) م. ن: 17.

(3) ينظر: نصوص من الشعر العربي قبل الاسلام: 121، والّرحلة في القصيدة الجاهلية: 226.

(4) ديوان النابغة الذبياني: 18، 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت