الصفحة 21 من 28

نهضتُ إلى عُذافرةٍ صَموتٍ ... مُذَكّرةٍ تجلُّ عن الكلال

لكنّه لم يحدّد الوجهة الّتي رحل إليها، ولم يشر سوى في هذا البيت إلى رحلته، لأنّه لم يجد مفرًّا من النّعمان، وفي هذه القصيدة لا نجد اختلافًا كثيرًا عن القاعدة الّتي سقناها في بقية اعتذاراته، على الرغم من أنّها تحتوي على رحلة يصف فيها الشاعر ناقته، ويشبهها بثور وحشي إلاّ أنّه جعل من هذه الرّحلة وسيلةً للكشف عن حالته النفسية، وهو في النهاية لا يرحل بعيدًا عن النعمان، لأنّ النعمان (( كالّليل ) )يدركه أينما ذهب [1] . وفي هذه القصيدة تبدأ بمقدمة طللية، يقول فيها:

يا دار مَيَّةّ بالعلياء فالسّند ... أَقْوَتْ وطالَ عليها سالِفُ الأبد

وقفتُ فيها أُصَيلانًا أُسائِلْها ... عَيَّتْ جوابًا وما بالّربع من أحَد

إلا الأواريَّ لأيًا ما أُبيّتنُها ... والنُّؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلَد

ردّت عليه أقاصيه ولبّدَهُ ... ضربُ الوليدةِ بالمسحاة في الثَّأّد

خلَّتْ سبيلَ أتيٍّ كان يَحْبِسُهُ ... وَرَفَّعَتُه إلى السِّجفَيْنٍ فالنّضد

أمْستْ خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا ... أخنى عليها الّذي أَخْنى على لُبَدِ [2]

إنّ الخوف وعدم الشعور بالأمان الّذي يعاني منه الشاعر بعد تهديد النعمان له انعكس على أجزاء القصيدة كلّها وهو خوف مشوب بأمل النّصر إلاّ أنّ الظّروف تبدو أقوى من قدرة الشاعر، هذا الانسان الّذي يبدو ضعيفًا أمام القوى الجبارة الّتي تستطيع تغيير الأمور وقهر الإرادات، فهذه الدّار كانت متحصّنة لا يستطيع أحد الوصول اليها، ولا تستطيع السّيول التأثير فيها لأنّها في مكان عالٍ على مستند الجبال، إلاّ أنّ الّدهر كان أقوى منها بفعل العوامل الّتي تعاقبت عليها حتّى غيرت ملامحها، ولم يستطع الشاعر التعرّف عليها، وترد هنا لفظة (( مظلومة ) )وان كان اللغويون قد اقتصروا على معناها اللغوي الاّ أنّها تدلّ على ما يعانيه الشاعر من الظّلم والجور، ولم تستطع الجهود المبذولة حماية هذه الدّيار، لقد أمست هذه الدّيار خلاءً لا حياة فيها، رحل عنها أهلها، فالدّهر يغيّر كلّ شيء.

إنّ الشاعر كما ذكرنا في اعتذاراته السابقة يشكو من تغيّر الأحوال وتبدلها بينه وبين النعمان بفعل الوشاة، الذين دمّروا تلك العلاقة الوطيدة الّتي كان من القوّة بحيث لم يخطر على بال الشاعر أنّها ستنتهي، وظلّ الشاعر يتساءل عن الأسباب الّتي تجعل النعمان يستجيب لقول

(1) ينظر: دراسات في الشعر العربي القديم: 69، 70.

(2) ديوان النابغة الذبياني: 14، 15، 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت