الصفحة 20 من 28

خالية من البشر، وفي هذا إشارة إلى ما حصل بينه وبين النّعمان، يقول الشاعر في مقدمة القصيدة:

أمِنْ ظّلاّمَة الدِّمنُ البوالي ... بمُرْ فضِّ الحُبَيِّ إلى وُعال

فأمواه الدّنا فَعُويْرضاتٍ ... دوارِسَ بعد أحياءٍ حِلال

تأبدّ لا ترى إلاّ صوارًا ... بمرقوم عليه العهد خال

تعاورَها السّوارى والفوادي ... وما تذري الرّياح من الرّمال

أَثِيثٌ نبتُه جَعْدٌ ثَراهُ ... به عوذُ المَطافِل والمتالي

يُكَشِّفْنَ الآلاء مُزَيّنات ... بغاب رُدَيْنَةَ السُّحم الطِّوال

فلمّا أَن رأيتُ الدّارَ قَفْرًا ... وخالفَ بالُ أهل الدّارِ بالي

نَهضْتُ إلى عُذافِرَةٍ صَمُوتٍ ... مُذَكَّرَةٍ تَجِلُّ عَنِ الكَلالِ [1]

فلماذا أطلق الشاعر اسم (( ظلاّمة ) )على صاحبة الديار؟ إنّ هذا الأسم يوحي بمدى الظّلم الّذي وقع على النابغة عند ما لم يتأكّد النعمان من صحة الأخبار الّتي وصلته، لقد أصبحت هذه الدّيار ديار ظلامة بعد النابغة ومسكنًا للوحوش، أصبحت خالية من الأنيس، ولا ترى فيها إلاّ بقر الوحشي، فهل يعني هذا أن النّابغة على أطلال علاقته القديمة بالنعمان الّتي تغيّرت، ولم يعد يقيم بعده في قصر النّعمان إلاّ أناس يشبهون هذه البقرة الوحشية، لقد أصبح النابغة غريبًا عن قصر النعمان لا يأنس فيه أحد بفعل التغيّرات الكثيرة الّتي طرأت وحاولت طمس معالم تلك العلاقة الطيّبة:

تَعاورَها السَّواري والغوادي ... وما تذري الرّياح من الرّمال

وإذا أصبح الدّار خاليًا من الانسانِ، فإنه في الوقت نفسه أصبح يعجُّ بالحيوانات المتوحشة (( المطافل والمتالي ) ). ويصف الشاعر هذه البقرات بأنّها ذات قرون طويلة (( يكشفن ) )بها الأشجار، واستعمل نون النّسوة الّتي تستعمل عادةً للعاقل، وهو يرسم صورة النّعيم الذي تعيش فيه، وكأنّها رمزٌ لأولئك الوشاة الّذين أصبحوا يعيشون في تلك القصور الّتي كان يعيش فيها الشاعر أيام كانت علاقتة صافية لا يكدرها شيء مع النعمان، لكن الشاعر عندما وجد أهل هذا الدار قد تغيّروا ناحيته، وأصبحت قفرًا من الودّ، والعلاقات الانسانية رَحَلَ عنها:

فلمّا أن رأيت الدّار قفرًا ... وخالف بالُ أهل الدار بالي

(1) الديوان: 149، 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت