الصفحة 19 من 28

وينبثق من هذا الهمّ خوف الشاعر من تقلبات الحياة الّتي لا تدوم على حال، فهذا النعمان بجبروته وملكه أصبح محمولًا، وخوف الشاعر من الموت الّذي لا مفرّ منه، أمّا الهمّ الظاهر الّذي أقلقه قبل هذا الهمّ فيذكره في قوله:

رأيتُكَ ترعاني بعينٍ بصيرة ... وتبعث حُرّاسا عليّ وناظرا

وذلك من قولٍ أتاك أقوله ... ومن دسِّ أعدائي إليك المأبرا

فآليتُ لا آتيك إن جئتُ مجرمًا ... ولا أبتغي جارًا سواك مجاورا

فأهلي فداءٌ لامرىءٍ إن أَتَيتُه ... تََقبَّل معروفي وسدّ المفاقرا

سأكعمُ كَلْبي أن يريبَك نبحُه ... وإن كنتُ أرْعى مُسحَلان فحامرا

إنّه النّدم على ما بدر منه، والاعتذار عن ما بلغ النعمان من أكاذيب.

وفي قصيدته الّتي مطلعها (( أمن ظلاّمة الدَّمن البوالي ) )يُركّز الشاعر على اثبات سوء ظنّ النعمان ومحاولة رفع هذا الظّلم المرتب على هذا الظّن الّذي لا تدعمه الحجّة والبراهين، يقول:

فإن كنتَ امرأً قد سؤتَ ظناًّ ... بعبدك والخطوبُ إلى تبال

فأرسِلْ في بني ذيبان فاسألْ ... ولا تعجَلْ إليّ عن السّؤآل

فلا عَمْرُ الذي أثنى عليه ... وما رَفَعَ الحجيج إلى إلال

لما أغفلتُ شكركَ فانتصحني ... وكيف ومن عطائِكَ جِلُّ مالي! ...

لما أغفلتُ شكركَ فانصحني

ولو كفِّي اليمينُ بغتك خَوْفًا ... لأفْرَدتُ اليمينَ من الشّمالِ [1]

فسوء الظنّ أدّى إلى أن يظلم النعمان شاعره، وكان على النعمان أن يتأكّد قبل أن يقطع صلته بالشاعر ويغيّر نظرته، فما مدى انعكاس هذا الإحساس على مقدمة القصيدة ورحلتها؟ قد سبق ذكره أنّ جميع قصائد الاعتذار لا تبدأ بمقدمات غزلية لارتباط الغزل في بعض الرّوايات بقضية الجفوة بين النعمان والنابغة، كما ذكر أيضًا أن ثلاث قصائد من قصائد الاعتذار تبدأ بالأطلال، وانّ قصيدة واحدة من الأربع تبدأ بمقدمة يشكو فيها من الهموم، وقد بدأت هذه القصيدة بمقدمة طللية ترد فيها ألفاظ وصور توحي بالظّلم وبالتغيير الجارف الذي يقطع أو يحول دون بقاء هذه الدّيار شاخصة يستطيع من يمر بها التعرّف عليها، لقد أصبحت ملعبًا للوحوش،

(1) ديوان النابغة الذبياني: 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت