الصفحة 18 من 28

انعكس أيضًا على مبنى القصيدة، فجاءت دون رحلة، فلا معنى لوصف سرعة الناقة وارتحالها ما دام الشاعر لا يجد مكانًا يستطيع الذّهاب إليه، والهروب من النعمان، لذا هو خاشع ينتظر ما سيقع عليه من العقاب، وقد ظهر هذا الخشوع في وصف النؤى في الأطلال (( ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشعُ ) )فهذا النؤى لا حول له ولا قوّة مهدم خاشع لا يستطيع الحراك.

فهنا بقيت إشارة واحدة حول قول الشاعر في الأطلال (( رمادٌ ككحل العين ) )لماذا شبّه الشاعر الرّماد بكحل العين؟ يقول الشراح لتقادمه، ولكن الأنسب هنا (( ذر الرماد في العيون ) )الذي أشرنا اليه سابقًا يتناسب مع حالة الشاعر النفسية ولاسيما وهو يعاني ممن يحاول ذر الرّماد في العيون، وأبعاد الشاعر عن ممدوحه من خلال استغفاله والتغطية على ما يبطنون، فمن أثر ذلك أن علاقته بالنعمان أصبحت رمادًا يحاول أعداؤه أن يستثمروا بقايا هذه العلاقة أو ما تركته لكي ينالوا من الشاعر، فكأنهم لم يكتفوا بإنهاء العلاقة بل قصدوا إلى أن يكون هذا الإنهاء سببًا في انتقام النعمان من النابغة، وهكذا تبدو القصيدة مترابطة الأجزاء [1] .

أمّا قصيدة الاعتذار الّتي يقدّمها الشاعر بقوله:

كتمتُكَ ليلًا بالجمومين ساهرًا ... وهمّين هماًّ مستكناًّ وظاهرا

أحاديثَ نفسٍ تشتكي ما يُريبُها ... ووردَ هموم لم يجدْنَ مَصادرا

تُكَلِّفني أنْ يفعل الدّهرُ همَّها ... وهل وجدتْ قبلي على الدّهر قادرا؟ [2]

فالتناسب بين هذه المقدمة وغرضها لا يحتاج إلى كثير عناء لتكشف عنه، فالشاعر هنا يعتذر لكنه اعتذار يختلف عن اعتذاراته في القصائد الأخرى، فالنعمان مصاب بالمرض، وهو في الوقت نفسه ما يزال غير راضٍ عن الشاعر، ويخشى النابغة أن يسيطر عليه هم ظاهر يعرفه الجميع، وهو طلب العفو من النعمان، وهم مستكنٌّ، هو خوفه على النعمان، وخشيته عليه من الموت، وتجتمع مخاوفٌ كثيرة على الشاعر لا يستطيع نفسه تحملها بسبب هذين الهمين، فهذا هو الهمّ الأول:

ألَم تر خير الناس أصبح نَعشُهُ ... على فِتْيةٍ قد جاوز الحيَّ سائرا

ونحن لديه نسأل اللهّ خُلْدَهُ ... يَرُدُّ لنا مُلْكا وللأرض عامرا

ونحن نرجّي الخْلدَ إن فازَ قِدْحُنا ... ونرهبُ قِدْحَ الموتِ إن جاء قامِرا [3]

(1) ينظر: الشعر الجاهلي قضاياه الفنية والموضوعية: 305، والمنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي 97.

(2) ديوان النابغة الذبياني: 67.

(3) م. ن: 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت