؟ ولا أدري هل أقام عند النعمان سبعة أعوام كما ورد في وصف الأطلال أم أنّ هذه القصيدة حدّدت هذا العدد دون أن يكون له ارتباط بما نذهب إليه، هذا يحتاج إلى أدلّة تأريخية.
إنّ حال الشاعر يشبه حال الملدوغ الذي لا أمل في شفائه، فمن يمثّل هذه الحيّة الدقيقة الّتي تنفث السّم، هل هو النعمان الّذي لا مفرّ من وعيده، أم هو أولئك الّذين حاولوا الايقاع بين الشاعر وممدوحه، فدسّوا له السّم، وهم في ذلك يبحثون عن المشاغبة والمشاتمة (( وجوه قرودٍ تبتغي من تجادعُ ) )، وهم في كيدهم هذا يقولون قولًا مهلهلًا لا يثبت أمام الشاعر (( أتاك بقولٍ هلهلِ النّسج كاذب ) )شبّه قولهم بهذا النّسج الضّعيف، وتجد الإشارة هنا إلى أنّ الشاعر في حديثه عن الأطلال ذكر الرّياح القويّة وجعل لها ذُيولًا (( كأن مجرّ الرّامسات ذيولها ) )، لماذا جعل لها ذيولًا لأنّها تتناسب مع ذيول القرود وعبثها بالأشياء المرتبة، إنّ هذه الرّامسات الّتي تجتهد في محو الأثر ما هي إلاّ أولئك الوشاة، وزاد من فعل أثرها في قطع ما بقي من أواصر، أن الأيام تمر وهو بعيد عنها (( مصايفٌ مرّت بَعدنا ومرابع ) )، أنّ الأيام تمضي بعد هذه العلاقة الطيبة الّتي نجح الوشاة في قطعها وهو عاجز عن أن يمنع هؤلاء الوشاة لبعده عن النعمان، والأعجب من هذا أنّ الشاعر يشبه آثار هذه الرّياح القويّة على الدّيار بحصير نمّقته أصابع الصناع الماهرة يطاف به في السّوق لجودة صناعته ودقّة العمل، فهل يمثل هذا الوصف وصفًا لاتقان هؤلاء الوشاة لوشايتهم، بحيث أصبحت هذه الوشاية من أحكامها، يستحيل أن يشك في صحتها أحد، إنّها مصنوعة بفعل انسان متمرس في صناعة الأكاذيب، وان لم يكن هذا ما يعنيه الشاعر فما قيمة تشبيه آثار الرّياح الهدامة بهذا الحصير؟، وما يؤكّد ما ذهبنا اليه قوله في وصف من وشى به:
أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة ... له من عَدوِّ مثل ذلك شافِعُ
أتاك بقولٍ هلهلِ النّسج كاذبٍ ... ولم يأتِ بالحقّ الّذي هو ناصِعُ [1]
فهذا المرء يخفي بغضه ويستره، وله أيضًا من يعينه على ذلك، ويساعده على عدم كشف أمره، فالخطّة متقنة، وهنا أيضًا يذكر (( النسج ) )بعد أن ذكر سابقًا التنميق، ولكنه يكشف هنا عن حقيقة هذا النسج المهلهل، وهذا ما يؤكّد أهمية اللّغة بالنسبة إلى الشاعر كي يدفع من خلالها ما يسيئه [2] .
وقد وصف الشاعر خوفه واعترافه بعدم قدرته على الفرار حينما عجز عن اقناع النعمان، إذ شبهه باللّيل الذي لا مفرّ منه، فأينما تحلّ فإنّ اللّيل لا بدّ أن يأتيك، هذا الهاجس
(1) ديوان النابغة الذبياني: 35.
(2) مفهوم الشعر: 431.