الصفحة 16 من 28

أتاك بقولٍ هَلهلِ النّسج كاذِبٍ ... ولم يأت بالحقّ الّذي هو ناصِعُ [1]

بعد أن يكررّ الايمان ويحاول إقناع النعمان بكذب الوشاة يأتي إلى الحالة الّتي سيؤول إليها، فإذا لم يصدّق النعمان ما يطرحه فإنّه لا مفرّ له من وعيده، ولن يجد طريقًا للهرب:

فإنْ كننتُ لا ذو الضِّغْنِ عنّي مُكذَّبٌ ... ولا حَلفي على البراءَةِ نافِعُ

ولا أنا مأمونٌ بشيءٍ أَقولُه ... وأنْت بأمرٍ لا محالة واقِعُ

فإنّك كالّليل الذي هو مُدركي ... وإن خِلْتُ أنّ المُنتأى عنك واسِعُ [2]

لقد أصاب الشاعر في اختيار لفظ بليغ بسيط (( كاللّيل ) )في تصوير الحدث الواقع الذّي لا محالة فيه، والذّي من شأنه أن يبعث الرّعب، وأن يملأ قلب الشاعر بالظّلمة لغضب صاحبه [3] .

وهناك احتمال أن يكون وقوف الشاعر على الأطلال وقوفًا حقيقيًا يؤيّد هذا قوله:

على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلت: ألمّا أصْحُ والشّيبُ وازعُ [4]

كأنّه في هذا البيت يردّ على أولئك الّذين وشوا به عند النّعمان، وقالوا إنّه يتغزّل بزوجته المتجرّدة، إنّ النابغة بلغ من العمر مدىً لا يسمح له بالتّصابي والّلعب لذا لا نجده في أيّ قصيدة من قصائد الاعتذار يلح على ذكر المرأة ووصفها، بل يكتفي بوصف الأطلال ثمّ يعاتب نفسه على هذا الوصف، وهنا يضيف تأكيدًا آخر:

وقد حال همٌّ دون ذلك شاغلٌ ... مكانَ الشّغافِ تَبتغيه الأصابِعُ [5]

إنّ قلبه لا يتّسع لهذا الحبّ أو الهيام، فهنالك ما هو أهم، إنّ قلبه مشغول بأمر تهديد النعمان له إنّه وعيد في (( غير كنهه ) )أي في غير مكانه، فهو لا يستحق من النعمان كلّ هذا، أي أنّ النعمان هنا متوهم في حكمه على النابغة، والنابغة أيضًا متوهم لا يدري أيقبل النعمان عذره؟ أهو جادٌ في وعده هذا؟ هل هناك وشاية وصلت إليه؟، لذا نجد لفظة توهم أيضًا تظهر في الأطلال (( توهّمتْ آياتٍ لها فعرفتها ) )، هل كانت معرفته للنعمان وصداقته مجرد وهم انقضى

(1) ديوان النابغة الذبياني: 34، 35.

(2) ديوان النابغة الذبياني: 37، 38.

(3) النابغة الذبياني ـ مع دراسة للقصيدة العربية في الجاهلية: 200.

(4) ديوان النابغة الذبياني: 32.

(5) م. ن: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت