الصفحة 15 من 28

على حينَ عاتبتُ المشيب على الصِّبا ... وقلتُ: أّلّمّا أَصْحُ والشيبُ وازِعُ [1]

هذه هي مقدمة القصيدة وقد دخل بعدها مباشرةً في غرضه دون رحلة، وسنرى بعد أن نستعرض أبيات الاعتذار مدى الارتباط بين المقدمة والغرض، فالشاعر يبدأ أبياته بهذا الانتقال اللطيف:

وقد حال همٌّ دون ذلك شاغلٌ ... مكانَ الشّغافِ تَبتغيه الأصابِعُ

وعيدُ أي قابوسَ في غير كُنههِ ... أتاني ودوني راكِس فالضّواجِعُ

فبِتُ كأنّي ساورتْني ضَئيلةٌ ... من الرُّقشِ في أنيابها السُّمُّ ناقِعُ [2] .

إن وعيد أبي قابوس كان تعليلًا لهمّه الذي ذكره في الأبيات الأولى [3] لعلّ الشاعر قد أراد في الأبيات الأخيرة إظهار تلدغه من أفعى النّميمة، وشدّة خوفه وترهبه. إلاّ أنّه يتّجه في الواقع، إلى معنى مستور فيما يلمّ بمعنى واضح، فالشاعر لا يلح بذكر خوفه إلاّ ليبيّن قوّة النعمان وبطشه [4] . على الرّغم من وسيلة الاعتذاريات وضعف مكانة صاحبها، فإنّ اعتذاريات النابغة قد زادته مكانة فنيّة واجتماعية، لأنّه واحد من أصحاب المعلقات العشر، واليه يحتكم شعراء عصره، وانّه سيّد في قومه، ووجه قبيلته يمثلها بين القبائل الأخرى، فيمكن أن نعدّها دفاعًا عن كرامته، ووفاءً لمنادمة الملك وصداقة عائلته، فضلًا عن الاعتراف بالفضل بينهما، ومحاولة التنصل من الذنب وابتعاد التهمة وتحقيق العفو [5] .

وبعد أن وضح حالته عندما سمع الوعيد ومدى خوفه شرع في بيان دور الوشاة في هذه القطيعة ومحاولتهم محو آثار تلك الصّداقة، فيقول:

لَعَمري وما عَمْري عليّ بهيّنٍ ... لقد نَطَقتْ بُطْلًا عليَّ الأقارِعُ

أقارعُ عوفٍ لا أُحاوِلُ غَيرَها ... وُجوهَ قُرودٍ تَبتغي من تجادِعُ

أتاك امرُؤٌ مُستبطنٌ لي بُغضَة ... له من عدوّ مثل ذلك شافِعُ

(1) ديوان النابغة الذبياني: 30، 31، 32.

(2) م. ن: 32، 33

(3) النابغة، سياسته وفنّه ونفسيته: 101.

(4) ديوان النابغة الذبياني: 101.

(5) الاعتذاريات في الشعر العربي من عصر ما قبل الإسلام إلى نهاية العصر الأموي:

(أطروحة دكتوراه) : 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت