ففي بداية حديثه عن النّاقة يقول إنها تشبه هذا الثور المستأنس الوحيد، ويقول عند انتهاء الحديث عن الثور والصيّاد:
فتلك تُبْلغني النُّعمانَ إنّ له ... فضلًا على الناس في الأدنى وفي البَعدِ [1]
وفي القصيدة الأخرى التي مطلعها:
أمِنْ ظلاّمة الدَّمنُ البوالي ... بمُرْ فضِّ الحُبّى الى وُعال
فهنا لا نجد سوى بيت واحدٍ يشير فيه الى الرحلة:
نَهَضْتُ إلى عُذافِرَةٍ صموتٍ ... مُذَكَّرَةٍ تجلّ على الكلالِ [2]
بعد هذه الوقفة عند قصائد النعمان تثار الأسئلة الآتية:
ما دلالة طغيان المقدمة الطللية واختفاء المقدمة الغزلية من قصائد الاعتذار؟ هل كان النابغة في اطلاله يبكي على أيامه الخوالي مع النعمان تلك الأيام التي قضاها في نعيم الملك فغيّرت مجراها عوامل الوشاية وتقلبات الدهر؟ وهل امتناعه في بعض قصائد الاعتذار عن الإرتحال واقتصاره على الاشارة فقط في الباقي الى أنّ ناقته توصله الى النعمان، يعني أن لا مفرّ له من النعمان، وأنّه لا يجد مجالًا للهرب أوجهة يتجه إليها؟، هذا ما سنتعرّف عليه من خلال قراءتنا لبعض الأمثلة، ولن نلوي أعناق القصائد لكي تستجيب لما وضعناه من افتراض فإن نجحنا كان لنا فضل السبق بهذا الشأن، وان فشلنا في اثبات هذا الصّلة فلا يؤثّر ذلك في منهجية دراستنا.
نبدأ أولًا بقصيدته في الاعتذار للنعمان التي مطلعها:
عَفا ذو حُسىً مِنْ فَرْتنى فالفوارعُ ... فجنبا أريكٍ فالتّلاعُ الدّوافعُ
فمُجتَمَعُ الأشراجِ غَيَّر رسْمَها ... مصايفُ مَرَّتْ بَعْدَنا ومَرابِعُ
توهَّمْتُ آياتٍ لها فعَرَفْتُها ... لستّة أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
رمادٌ كَكُحْل العين لأيًا أُبينُهُ ... ونُؤي كجذم الحوض أُثلمُ خاشِعٌ
كأنّ مجرّ الرّامسات ذُيولها ... عليه حصيرٌ نمّقَتْهُ الصّوانِعُ
على ظهر مبناة حديدٍ سُيُورُها ... يطوف بها وسط اللّطيمة بائِعُ
فَكَفْكَفْتُ منّي عَبَْرةً فَردَدْتُها ... على النّحر منها مستهِلٌّ وَدامِعُ
(1) ديوان النابغة الذبياني: 17، 20.
(2) م. ن: 149، 150.