5 -قصيدة في الرّثاء.
بعد أن وقفنا عند هذه التصانيف فبما يخصّ القصائد ذوات الموضوعات المتعددة من حيث الأغراض علينا أن نتعرف على العلاقة بين غرض القصيدة وبقية الأجزاء، هل كان الغرض منفصلًا تمامًا عن المقدمة والرّحلة؟ أو أنّ الشاعر يحمّلهما جانبًا من همومه ويهيء بهما الدخول إلى الموضوع فتكون القصيدة مترابطة الأجزاء تحمل إشارات رمزية ونفسية توحد بينها؟ هذا ما سنوضحه من خلال تحليلنا لبعض القصائد، وسنستبعد تلك التي ضاع منها غرضها، وسيكشف لنا هذا من خلال تحليل الغرض أولًا، ثم الحديث عن الأجزاء الأخرى ومدى ملاءمتها لهذا الغرض.
نبدأ أولًا من قصائد الإعتذار التي تجمع فيها خوف النابغة من النّعمان وطمعه في العفو، وحنينه الى تلك الأيام الصافية التي قضاها مع النعمان وشكواه من العذال الذين حاولوا التفريق بينهما، على اختلاف الروايات في ذلك، ومن تلك الروايات أنّ النابغة تغزّل بالمتجرّد فتوعده النعمان - كما ذكرنا - ومن الجدير بالذكر قبل الدخول في التحليل وأخذ الامثلة الإشارة الى أنّ جميع قصائد الإعتذار عند النابغة تبدأ بمقدمة طللية عدا قصيدة واحدة بدأها بالشكوى من الهموم وطول الليل، وقصيدتان من أربع قصائد بدون رحلة، وأما القصيدتان اللتان ذكر فيهما رحلة لم يصف فيهما سرعة ناقته ولم يقف عندها طويلًا، فهو من معلقته [1] التي يشير فيها فقط الى الناقة وينتقل مباشرة الى الحديث عن الثور الوحشي، إذ يقول:
كأن رحلي وقد زال النّهارُ بنا ... بذي الجليل على مستأنسٍ وَحِد
(1) ينظر: ديوان النابغة الذبياني: 14 الى 28.