تعيش معه وتأكل معه، وتشرب معه، تؤنسه، تمازحه، تنتظره وتودعه، حين يذهب في المجالس وبين الأقارب يحلوا لها الحديث بطرائفه ونوادره، تهب البشائر والأعطيات لكل من يبشرها بنجاحه أو قدومه من سفره، ولما لا وهو وحيدها وثمرة فؤادها.
تعد الأيام والشهور لترى فلذة كبدها يكبر رويدًا رويدا .. كبر ذالك الطفل، وأصبح شابًا يافعا، واستوى عوده، واشتد عظمه، كانت تقف أمامه مزهوة شامخة، كانت تجاهد على إعانته على الطاعة، كيف لا، وهي كما تقول الأخت: عرفت منذ الصغر بطول قيامها وتهجدها، لا تدخل مجلسًا إلا وتذكر الله وتنهى فيه عن فحش القول أو البذاءة، وهي مع ذلك من أهل الصلاة والصدقة، لطالما تاقت نفسها أن تسمع صوت وحيدها يؤم المصلين في المسجد الحرام، لكم تمنت أن يجعل الله له شأن يعز به دينه، لقد كانت كثيرًا ما تختلي بنفسها في أوقات الإجابة تدعو ربها، وكم كان اسمه يسيطر على دعائها.
لا تنامُ إلا بعد أن ينام، ثم تقوم مرة أخرى وتدخل عليه لتعيد غطاءه، وتصلح حاله، تفعل ذلك في الليلة الواحدة أكثر من مرة.
الله أكبر، مبلغ الحنانِ ومنتهاه! أحسبُ أنكم تقولون كفى، فقد أبلغتِ في الوصف والثناء، لستِ والله بمبالغة، فهذه حالها مع ولدها.
عزمت على تزويجه، لترى ولده وحفيدها، بدأت تبحث له عن عروس، ثم سعت إلى تقسيم منزلها إلى قسمين، العلوي له، والسفلي لها، دخلت عليه في يوم من الأيام كالعادة، نادته لم يرد عليها، خفق قلبها، رفعت يده فسقطت من يدها، هزته بقوة، لم يتحرك، بادرت بالاتصال على قريب لها، حضر على عجل، فحمله إلى المستشفى، أحست أن في الأمر شيئا، لكنها على أمل، فماذا عملت، لقد كان من أمرها عجبا!! توضأت ثم يممت شطر سجادتها، وسألت ربها أن يختار لها الخيرة المباركة، وصلت، وبعد سويعات، وإذا وحيدها قد مات، نعم، بعد أربعين سنة، عشرون سنة ترقبه، وأخرى مثلها تربيه، ضاع ذالك في لحظة واحدة، وما كان منها حينما بلغها الخبر، إلا أن قالت: وحيدي مات، ثم