وهذا اللون من الإعجاز القرآني حول الوحدة القرآنية وتناسب آياته، الذي ربما لم
.ينتبه إلى سره، وهو الإمساك ببدايات أطراف خيوط مقاصد وأغراض السور، هذا اللون
من الإعجاز من أعجب ألوان الإعجاز وأ. رها، وإن كان بكرًا غضًا، قلي ً لا وا ِ ر. دوه.
فالوحدة القرآنية في السورة الواحدة، وفي القرآن كله لا شك ولا خلاف في
ظهورها ووجودها، لكن الخلاف في بيان حقيقتها وإدراك أبعادها، وأطراف هذه الأبعاد.
ومحاولات استخلاص مقاصد وأغراض السورة الواحدة، يرمي في شباك هذه
الوحدة، ويوقع في التفافا. ا وانعطافا. ا و انعقادات أطرافها، وما. ترسله تلك الأطراف من
بري ٍ ق و التماع بين حين وحين. يغري و. يحير.
فالبقاعي مث ً لا رأى أن سورة الأعراف -رغم طولها- امتدا. د لسورة الأنعام،
وتفصيل لها، وصاغ غرضها الأول منها، وجعلها مرتبطة. ا ارتباطًا كام ً لا، رغم أن
الأعراف ليست بعدها في النزول، وما استخرجه لها من مقاصد كان يصيره ويعيده
للغرض الرئيس الذي يؤول إلى سورة الأنعام، ولم يصرح بأغراض مستقلة خاصة من قلب
سورة الأعراف تنفرد به عن الأنعام.
وسيد قطب أشار إلى الاشتراك والتشابه الذي بين سور القرآن في الخصائص
والسمات والخصائص العامة، وتفرد كل سورة بعد ذلك واستقلالها بشخصيتها الخاصة
التي تميزها، وتختلف. ا عن غيرها.
فقد جعل غرض سورة الأعراف هو العقيدة، وكله في مجال التاريخ البشري،
وسابقتها سورة الأنعام كذلك غرضها العقيدة، ولكن من حيث هي وحقيقتها، واست ّ ل
أغراضًا خاصة مفصلة شاملة من قلب السورة ذا. ا،.يظهر مدى استقلالها بشخصيتها
الجديدة، وتفردها. ا، في تسلسل وتناسق مصقول، وعمق احتواء بارع، تفرد به عمن
سواه ممن عرضت منهاجهم ولم تتعد طرائقهم التعداد ا. مل، على تفاوت بينهم في العمق
والإحاطة والشمول.
أما سعيد ح. وى فإن أصله الذي استخرجه، وأثبت له الوحدة الشاملة للقرآن،
.تغري بالبحث والنظر، والوقوف على حيثيا. ا وتحققا. ا.
ورؤيته لسورة الأعراف من خلال تلك النظرية على أ. ا محور تفصيلي لأحد محاور
سورة البقرة وامتدا. د لها، وتقسيمه لها تقسيمات ومقاطع عديدة حسب نظرة جديدة،
وتأمل خاص، له اعتبار من حيث إنه يدخل باب الأحاديث النبوية التي. تلفت إلى
خصائص بعض سور القرآن، وما لها من أسرار في ارتباطها بالقرآن كله، وما انفردت به
في اشتمالها على ما لم تشتمل عليه سور أخرى، من مثل: الفاتحة، وسورة البقرة، وآل
عمران والإخلاص، فالأحاديث الواردة فيها لا شك تشير إلى خصوصيا. ت لهذه السور من
حيث علاقتها بوحدة القرآن وكليته.
هذا وإن لم يستخرج للسورة غرضًا خاصًا من ذا. ا كما سبق عند البقاعي فإنه
أم. ر له أهميته؛ إذ لو كانت السورة الواحدة من القرآن تفصي ً لا لسورة سابقة، أو مؤكدة
لأخرى، أو شارحة لمحور معين من سورة أخرى تبعًا للنظرة التناسبية الكلية للقرآن، والتي
تفاوت العلماء الأجلاء في التعامل. ا، والنظر للقرآن من خلالها، لو كان كذلك لما كان
لكل سورة جديدة في القرآن ذلك التفرد في الإنشاء والتأسيس لما هو جديد، ولأبقينا على
القول بأن هذه السورة تأكيد لما جاء في تلك، وتفصيل لما جاء في الأخرى، وكأن القرآن
كله سورة واحدة، تحت بسملة واحدة، وما السورة تحتها إلا مقتطعات وفقرات، والأمر
وإن كان كذلك من جهة التناسب، إلا أنه لا يأتي مع نظرية التأكيد والتأسيس البلاغية،
التي هي في جانبها الأول تتنافى مع كمال الإعجاز البلاغي ومعجزته.
وإن كان علماؤنا الأجلاء -عليهم رضوان الله- لا يقصدون ذلك ولا يرونه، لكَّن
إغفال التصريح بنصوص واضحة في إعطاء كل سورة حقها من الإنشاء والتأسيس،
ومكا. ا من التجديد والإضافة لأغراض جديدة،.يلفت إليه، ويدعو للتأمل فيه، وربما كان
من أسبابه تجاوز الوقوف الطويل إلى سر تسمية كل سورة باس ٍ م مفر. د خاص.
ولا بد أن يكون لكل سورة حظ كبير من اسمها، وكأن تسميتها. ذا الاسم أو
ذاك، إشارة إلى حملها بولائد جديدة، ولها علائم مغايرات لأخوا. ا السابقات من روح
الاسم الجديد والقالب الوليد، تحطه في الموضع الذي رسمه لها. مبلغها، وخطه لها موحيها.
إضافة لغرضها الأول في تفصيل أو تأكيد سورة سابقة، أو محور من سورة سابقة.
وكل هذا ينبض به اسمها الذي تحمله، ويعلنها اسمها الذي تتوج به.
وإن كان ليس بالضرورة -وهذا يحدوه الاستقصاء والبحث الدقيق- أن. تنشيء
كل سورة بعنوا. ا الجديد مقاصد وأغراضًا جديدة كل الجدة، بل ربما ألبسها اسمها الجديد
ثوبًا جديدًا، وظ ً لا منه سابغًا، وروحًا من روحه. و إلا فالتكرار حاصل لا محالة في القرآن
الكريم، في سوره وآياته وحروفه، بل في البسملة نفسها.