الصفحة 18 من 129

فالآية والسورة في منهجه هذا لا يأخذها جزءًا منفص ً لا مستق ً لا بأغراضه ومقاصده

ومعانيه عن غيره، بل يجعلها تتحرك في معا. ن وظلال وأضواء سور أخرى، لا تخرج عن

مظلة القرآن كله.

فالسورة تعتلق بسورة قبلها وسورة بعدها، تتعانق معها وتتلاحم وتترابط وتتلاحق

معانيها ك ٌ ل بحسب النفس الذي تجري عليه، والظل الذي تسكن إليه، وإن كانت سبقتها

ترتيبًا ولم تسبقها نزو ً لا، وكأن كل واحدة متولدة عن سابقتها، تنبت في أكنافها، تعقبها

أخرى تناديها تسكن جنبها، تشرب ماءها وتستظل بظلها.

وهو يرى أن لسورة الأعراف مقصدًا وغرضًا أساسيًا، هو امتداد لسورة الأنعام،

يجعل منه قاعدة عريضة للسورة، يبني عليها معانيها. يقول عنه: (مقصودها؛ إنذار من

أعرض عما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير، والوفاء

لما قام على وجوبه منه الدليل في الأنعام، وتحذيره بقوارع الدارين، وهذا أحسن مما كان

ظهر لي وذكرته عند: (( والوزن يومئذ الحق ) )، وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر

الأعراف، فإن اعتقاده يتضمن الإشراف على الجنة والنار، والوقوف على حقيقة ما فيهما،

وما أعد لأهلهما، الداعي إلى امتثال كل خير، واجتناب كل شر، والاتعاظ بكل

(مرقق) . (2

وهو وإن لم يستق ِ ص تفرعا. ا وتشعبا. ا، إلا أنه اقتصر على ما له ارتباط ظاهر

صريح، فجعله أعمدة وأركانًا لتلك القاعدة العريضة.

فالآيات الأولى ف. صل في استنباط أغراضها والتفافها على المقصد الأول، لم يماثله ما

تلاه من الآيات، لذا سأنقله بنصه وإن طال، يقول عند قوله تعالى: (( المص. كتاب أنزل

إليك. . . )): (فأشار بنعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما

يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور، بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى

ونورًا. فقال: (( فلا يكن في صدرك حرج منه ) )أي: أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما

يرفع الحرج ويسلي النفوس، لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل،

ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم وليتذكر المؤمنون، ثم أمر عباده بالاتباع لما

2)نظم الدرر ج 3 ص 3)

أنزله فقال: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) )فإن هلاك من نقص عليكم خبره من

الأمم، إنما كان لعدم الاتباع، والركون إلى أوليائهم، من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع

ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشيطان وكيده وأنه،. ذلك بقصة آدم

.. . (( (عدو لهم (( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة (27

وتصريح اللعين بالحسد، وتصور خيريته بخلقه، وطلبه الإنظار، والتسلط على ذرية آدم

وحلفه له. والإذن له في ذلك، ووعيده ووعيد متبعيه، ثم أخذه في الوسوسة إلى آدم

(((وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ). . . ثم انجرت الآي إلى. . .). (1

وأشار إشارات موجزة جدًا في باقي الأغراض، دون أن يفصلها مثل هذا التفصيل.

ووقفات الإمام البقاعي عند هذه الآيات الأولى (( المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في

صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا

من دونه أولياء قلي ً لا ما تذكرون )) . وقفاته عند هذه الآيات محل ً لا ومفسرًا وشارحًا، مع

التصريح بنصوصها، ينبيء عن استنباطه المباشر منها لغرض السورة الأول، وكأن آيات

السورة الثلاث الأولى. تسفر لتاليها من أول وهلة عن غايتها ومنتهاها، وكأن السورة تلقي

بثقلها في مقدمة موجزة لقصة طويلة متناثرة الأجزاء، متقاربة المعاني والأحداث.

ما عقب الآيات الأولى الثلاث وهي،. وتتخطى إشارة البقاعي إلى قصة آدم

قوله تعالى: (( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون، فما كان دعواهم

إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين، فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين،

فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين، والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم

المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون،

ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قلي ً لا ما تشكرون )) .

وعبارته بقوله: (ثم أتبع ذلك بقصة آدم. . .) منبئة عن تعمد هذا التخطي، وكأنه

يرى أن هذه الآيات السالفة الذكر ما هي إلا صو ٌ غ آخر، فيه تفصيل وتقديم لما يتلوه من

ولربما،. قصص الإنذار المتلاحقة في السلسلة الطويلة التي بدأت حلقا. ا الأولى مع آدم

1)نظم الدرر ج 3 ص 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت