الصفحة 15 من 211

يقول الكتاب الفلاني سماعي و عندي له نسخة، و الكتاب الفلاني و الفلاني فلا يعرف علم ما عنده من حيث فهم صحيحه من سقيمه، و قد صده إشتغاله بذلك عن المهم من العلم فهم كما قال الحطيئة:

زوامل للأخبار لا علم عندها ... بمثقلها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر

ثم ترى منهم من يتصدر بإتقانه للرواية و حدها فيمد يده إلى ما ليس من شغله، فإن أفتى أخطأ، و إن تكلم في الأصول خلط.

و لولا أني لا أحب ذكر الناس لذكرت من أخبار كبار علمائهم و ما خلطوا ما يعتبر به، و لكنه لا يخفى على المحقق حالهم.

فإن قال قائل: أليس في الحديث: منهومان لا يشبعان: طالب علم و طالب دنيا؟

قلت: أما العالم فلا أقول له اشبع من العلم، و لا اقتصر على بعضه.

بل أقول له: قدم المهم، فإن العاقل من قدر عمره و عمل بمقتضاه، و إن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب، فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زادًا، و إن مات قبل الوصول فنيته تسلك به.

فإذا علم العاقل أن العمر قصير، و أن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلًا بسماع الحديث و نسخه ليحصل كل طريق، و كل رواية، و كل غريب، و هذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصًا إن تشاغل بالنسخ. ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن و لا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه و لا يعرف النقل الذي عليه مدار المسألة.

فإن قال قائل: فدبر لي ما تختار لنفسك؟

فأقول: ذو الهمة لا يخفى من زمان الصبا.

كما قال سفيان بن عيينة: قال لي أبي ـ و قد بلغت خمس عشرة سنة ـ: [إنه قد إنقضت عنك شرائع الصبا، فإتبع الخير تكن من أهله، فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها و لا أميل عنها] .

ثم فبل شروعي في الجواب أقول: ينبغي لمن له أنفة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس.

فلو كانت النبوة مثلًا تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية. أو تصور أن يكون مثلًا خليفة لم يحسن به أن يقتنع بإمارة.

و لو صح له أن يكون ملكًا لم يرض أن يكون بشرًا.

و المقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم و العمل.

و قد علم قصر العمر و كثرة العلم فيبتدئ بالقرآن و حفظه، و ينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا لا يخفى عليه بذلك منه شيء.

و إن صح له قراءة القراءات السبعة و أشياء من النحو و كتب اللغة و ابتداء بأصول الحديث من حيث النقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت