و منهم من فسح لنفسه في كل ما يحب من التنعم و اللذات، و اقتنع من التصوف بالقميص و الفوطة و العمامة اللطيفة و لم ينظر من أين يأكل و لا من أين يشرب، و خالط الأمراء من أرباب الدنيا، و لباس الحرير، و شراب الخمور، حفظًا لماله و جاهه.
و منهم أقوام سننًا لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت.
و منهم من أكب على سماع الغناء و الرقص و اللعب، ثم إنقسم هؤلاء، فمنهم من يدعي العشق فيه، و منهم من يقول بالحلول، و منهم من يسمع على وجه الهوى و اللعب.
و كلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام.
و المقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل فإن رزقت فهمًا له فأنت تتبع الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه، و تترك بنيات الطريق و لا تقلد في دينك الرجال. فإذا فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى.
و إحذر جمود النقلة، و إنبساط المتكلمين، و جموع المتزهدين، و شره أهل الهوى، و وقوف العلماء على صورة العلم من غيل عمل، و عمل المتعبدين بغير علم.
و من أيده الله تعالى بلطفه، رزقه الفهم و أخرجه عن ربقة التقليد، و جعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث، و لا يلتفت إلى من لام، قد سلم زمامه إلى دليله في واضح السبيل.
عصمنا الله و إياكم من تقليد المعظمين، و ألهمنا إتباع الرسول صلى الله عليه و سلم، فإنه درة الوجود، و مقصود الكون صلى الله عليه و سلم و على آله و أصحابه و أتباعه، و رزقنا إتباعه مع أتباعه.
وقال رحمه الله تعالى:
رأيت الشره في تحصيل الأشياء يفوت الشره عليه مقصوده.
و قد رأينا من كان شرهًا في جمع المال فحصل له الكثير منه و هو مع ذلك حريص على الإزدياد.
و لو فهم، علم أن المراد من المال إنفاقه في العمر، فإذا أنفق العمر في تحصيله فات المقصودان جميعًا.
و كم رأينا من جمع المال و لم يتمتع به فأبقاه لغيره و أفنى نفسه كما قال الشاعر:
كدودة القز ما تبنيه يهدمها ... و غيرها بالذي تبنيه ينتفع
و كذلك رأينا خلقًا كثيرًا يحرصون على جمع الكتب فينفقون أعمارهم في كتابتها، و كدأب أهل الحديث ينفقون الأعمار في النسخ و السماع إلى ماخر العمر ثم ينقسمون:
فمنهم من يتشاغل بالحديث و علمه و تصحيحه، و لعله لا يفهم جواب حادثة، و لعل عنده للحديث ـ أسلم سالمها الله ـ مائة طريق.
و قد حكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع جزء ابن عرفة عن مائة شيخ، و كان عنده سبعون نسخة.
و منهم من يجمع الكتب و يسمعها و لا يدري ما فيها لا من صحة حديثها و لا من فهم معناها، فتراه