الجنيد، و إرشادات الشبلي. فرأى ذلك العامي أن الطريق الواضح لزوم زاوية و ترك الكسب للعائلة و مناجاة الحق في خلوة على زعمه.
مع كونه لا يعرف أركان الصلاة، و لا أدبه العلم، و لا قوم أخلاقه شيء من مخالطة العلماء.
فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الإصطبل.
فأن امتد عليه الزمان في تقلله زاد يبسه فربما خايلت له الماليخوليا أشباحًا يظنهم الملائكة ثم يطأطئ رأسه، و يمد يده للتقبيل.
فكم قد رأينا من أكابر ترك الزرع و قعد في زاوية، فصار إلى هذه الحالة فاستراح من تعبه.
فلو قيل له: عد مريضًا، قال: مالي عادة. فلعن الله عادة تخالف الشريعة.
فيرى العامة بما يورده القصاص أن طريق الشرع هذه، لا التي عليها الفقهاء، فيقعون في الضلال.
و من المتزهدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا.
ثم يتفاوت جهالهم، فمنهم من سلك مذهب الإباحة و يقول: الشيخ لا يعارض، و ينهمك في المعاصي.
و منهم: من يحفظ ناموسه فيفتي بغير علم، لئلا يقال: الشيخ لا يدري.
و لقد حدثني الشيخ أبو حكيم رحمه الله: أن الشريف الدحالتي ـ و كان يقصد فيزار و يتبرك به ـ حضر عنده يومًا فسأل أبو حكيم: هل تحل المطلقة ثلاثًا إذا ولدت ذكرًا؟ قال: فقلت: لا و الله، فقال لي الشريف: اسكت فو الله لقد أفتيت الناس بأنها تحل من ههنا إلى البصرة.
و حكى لي الشيخ أبو حكيم: أن جد آذاذ الحداد، و كان يتوسم بالعلم، جاءت إليه امرأة فزوجها من رجل، و لم يسأل عن انقضاء العدة، فاعترضها الحاكم و فرق بينها و بين الزوج، و أنكر على المزوج، فلقيته المرأة. فقالت يا سيدي، أنا امرأة لا أعلم، فكيف زوجتني؟ فقال [دعي حديثهم، ما أنت إلا طاهرة مطهرة] .
و حدثني بعض الفقهاء عن رجل من العباد أنه كان يسجد للسهو سنين، و يقول: و الله ما سهوت، و لكن أفعله احترازًا، فقال له الفقيه: قد بطلت صلاتك كلها، لأنك زدت سجودًا غير مشروع.
ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصرفة فإنهم سلكوا طرقًا أكثرها تنافي الشريعة، و أهل التدين منهم يقللون و يخففون.
و هذا ليس بشرع، حتى إن رجلًا كان قريبًا من زماني يقال له كثير، دخل إلى جامع المنصور و قال: عاهدت الله عهدًا و نقضته، فقد ألزمت نفسي ألا تأكل أربعين يومًا.
فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام في العشر الرابع، أشرف على الموت، قال: فما إنقضت حتى تفرغ، فصب في حلقه ماء فسمعنا له نشيشًا كنشيش المقلاة، ثم مات بعد أيام.
فأنظروا إلى هذا المسكين و ما فعله به جهلة.