الدنيا و يبسط يده لمسيء الليل و النهار، و يضحك و يغضب.
كل هذه الأشياء ـ و إن كان ظاهرًا يوجب تخايل التشبيه، فالمراد منها إثبات موجود فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها، قطع ذلك بقوله: ليس كمثله شيء.
ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز الأكبر، و قد قصد الشرع تقرير وجوده فقال): إنا أنزلناه (و) نزل به الروح الأمين (و (فذرني و من يكذب بهذا الحديث(و) هذا كتاب أنزلناه (و أثبته في القلوب بقوله تعالى) : في صدور الذين أوتوا العلم (و في المصاحف قوله تعالى) : في لوح محفوظ(و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو.
فقال قوم من هؤلاء: مخلوق فأسقطوا حرمته من النفوس، و قالوا: لم ينزل، و لا يتصور نزوله و كيف تنفصل الصفة عن الموصوف، و ليس في المصحف إلا حبر و ورق؟ فعادوا على ما تعب الشرع في إثباته بالمحو.
كما قالوا: إن الله عز وجل ليس في السماء، و لا يقال إستوى على العرش. و لا ينزل إلى السماء الدنيا، بل ذاك رحمته، فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها، و ليس هذا مراد الشرع.
و جاء آخرون فلم يقفوا على ما حده الشرع، بل عملوا فيه بآرائهم فقالوا: الله على العرش، و لم يقنعوا بقوله: ثم استوى على العرش.
و دفن لهم أقوام من سلفهم دفائن، و وضعت لهم الملاحدة أحاديث، فلم يعلموا ما يجوز عليه ممالا يجوز، فأثبتوا بها صفاته، و جمهور الصحيح منها آت على توسع العرب، فأخذوهم على الظاهر، فكانوا في ضرب المثل كجحا فإن أمه قالت له: إحفظ الباب، فقلعه و مشى به، فأخذ ما في الدار، فلامته أمه. فقال: إنما قلت إحفظ الباب، و ما قلت إحفظ الدار.
و لما تخايلوا صورة عظيمة على العرش، أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها على العرش، مثل قوله: [و من أتاني يمشي، أتيته هرولة] . فقالوا: ليس المراد به دنو الإقتراب، و إنما المراد قرب المنزل و الحظ.
و قالوا في قوله تعالى): إلا أن يأتيهم الله في ظلل): هو محمول على ظاهرها في مجيء الذات. فهم يحلونه عامًا و يحرمونه عامًا.
و يسمون الإضافات إلى الله تعالى صفات، فإنه قد أضاف إليه النفخ و الروح.
و أثبتوا خلقه باليد، فلو قالوا خلقه لم يمكن إنكار هذا بل قالوا هي صفة تولى بها خلق آدم دون غيره.
فأي مزية كانت تكون لآدم؟
فشغلهم النظر في فضيلة آدم، عن النظر إلى ما هو يليق بالحق مما لا يليق به.
فإنه لا يجوز عليه المس، و لا العمل بالآلات، و إنما آدم أضافه إليه، فقالوا: نطلق على الله تعالى إسم الصورة لقوله: خلق آدم على صورته.
و فهموا هذا الحديث و هو قوله عليه السلام: إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، و لا يقل قبح الله وجهك