أما الأول: فما فعلته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أتت بعمرة بعد حجتها. قالوا في هذا دليل على تَعُين العمرة للحاج مفردًا وأدنى التَعيُن الاستحباب.
وأما الثاني: فقالوا ينبغي ألا يُفَرِط في سفره، ومن التفريط أن يقتصر على الحج فينبغي أن يستغل سفره بما يستطيعه، فيأتي بالحج ثم بالعمرة.
وأما الثاني: فهو أن المفرد ينبغي أن يقتصر على حجة دون عمرة، وهو اختيار شيخ الإسلام
ابن تيمية كما في [المنسك] له. قال يرحمه الله:"ولم يَرِدْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاعن خلفاءه الراشدين، ولا عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم أتوا بعمرة بعد الحج، وعد ذلك من الأمور الحادثة بعدهم"، قال:"إلا ما ثبت عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ولها عذر في ذلك، فلا يُقاس عليها في هذه المسألة"يعني في استحباب المجيء بعمرة بعد الحج مُطلقًا. واختيار شيخ الإسلام هو الذي عليه عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام، ولا يُعرف لهم مخالف.
قوله: [والقِران هو: أن يُحرم بالحج والعمرة: معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يُدْخِل الحج ... .] إلى آخره.
حاصله ذكر حقيقة القِرَان وله صورتان:
أما الأولى: فهو أن يُحرم المرء بالحج والعمرة معًا، فيقول: (لبيك حجًا وعمرةً) أو (لبيك عمرةً وحجًا) اختلف في تقديم العمرة على الحج، أو العكس. عند التلبية استظهر جمع من الفقهاء تقديم العمرة على الحج؛ لأن العمرة تسبق الحج حقيقةً.
مثال ذلك: رجلٌ أراد أن يقرن بين عمرة وحج فلما ذهب إلى الميقات لبى وقال: (لبيك عمرةً وحجًا) ، ثم استمر في نسك القِرَان.
وأما الثانية: فهو أن يأتي بالحج، ثم بعد ذلك يدخل على الحج. أو أن يُحرم بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها، ولذلك شرطان:
أما الشرط الأول: فهو أن يصح عقد العمرة لِيُبنى عليه، أي أن ينقعد نسك العمرة حتى يُبنى عليه نسك الحج.
وأما الثاني: فهو أن يُدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة، فلو أراد أن يُدخل الحج على العمرة بعد السعي ـ أعني سعي العمرة ـ فإنه لا يجوز.
وهاتان الصورتان اتفق عليهما فقهاء المذهب على ماذكره شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] .
وثم صورة ثالثة اختلف فيها الأصحاب والفقهاء: وهي أن يحرم بالحج مُفِردًا ثم بعد، يُدخل على الحجِ العمرة.