الصفحة 35 من 118

وأما الثاني: فالقران؛ وسمي بذل لأنه يَقْرنُ بين العمرة والحج، أي يُجمع بينهما.

وأما الثالث: فالإفراد؛ وسمي بذلك لأنه يأتي بالحج مفردًا ليس معه عمرة.

وأما الثاني: فهو أن المكلف مخير بين هذه الأنساك الثلاثة، فإن شاء تمتع بعمرة إلى الحج وإن شاء قرن بين العمرة والحج، وإن شاء أفرد الحج في نُسكه. وقد دل على ذلك دليلان:

الأول: الخبر، وذلك ما جاء في [الصحيحين] من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:"حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فَمِنْ مَن أهل بالعمرة، ومِنْ مَن أهل بالحج، ومِنْ من أهل بحجة وعمرة، وأهل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج"ففيه ذكرٌ للأنساك الثلاثة السابقة، وفيه إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لتلك الأنساك ولفعلها، مما يدل على التخيير.

وأما الثاني: فالاتفاق المحكي، وقد حكاه الموفق في [المغني] والنووي في [المجموع] وجماعة.

وينضاف إلى الأمرين السابقين، أمرٌ ثالث وهو قول المصنف يرحمه الله: [وهو أفضل] : يعني التمتع، وهذا هو المذهب والذي عليه جمهور الأصحاب، كما قاله في [الإنصاف] . وكون التمتع أفضل، هو الذي دلت عليه الدلائل الكثيرة ومنها:

ما جاء في [الصحيحين] من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: (فمن لم يُسِق الهدي فليتحلل بعمرة إلى الحج) .

وكذلك جاء في حديثها أن - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سُقت الهدي ولأتيتُ بعمرة) يعني مع الحج متمتعًا - صلى الله عليه وسلم -.

ومن الدلائل ما جاء في [الصحيحين] من حديث ابن عباس أنه كان يُفتي بذلك، وأن التمتع أفضل. فحكيت له المخالفة عن أبي بكر، وعمر في ذلك. فقال:"أقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول قال أبو بكر وعمر، تكاد أن تنزل عليكم حجارة من السماء". الأثر وفيه دلالة على أن التمتع هو أفضل جزمًا، من ابن عباس، ولا يجزم إلا بما تيقنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ووافقه أكثر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

إلاّ أن مَنْ ساق الهدي معه، فالأفضل في حقه أن يكون قارنًا، لا أن يكون متمتعًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم السابق ولفعله؛ إذ لو كان التمتع أفضل لما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ أن الإفراد أفضل لمن أتى بعمرة في سفر، قبل الحج قال:"لأنه أتى بسفرتين، سفرةٌ للعمرة، وأخرى للحج. وهذا أكثر جُهدًا وأعظمُ أجرًا"، إلا أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - السابق، وما سبق من دلائل، يدُل على أن الأفضل مطلقًا التمتع، إلا لمن ساق الهدي معه، فالأفضل في حق الأخير القِران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت