الصفحة 39 من 69

وإنما يتمُّ له إنكار السنة بإنكار جنس الوحي، كما قال الله تبارك وتعالى عمن كفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود مع إيمانهم بموسى - عليه السلام: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا وعُلِّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) [1] .

و القسمة العقلية تقتضي أنْ يكون الناس في هذا الباب على أقسام ثلاثة:

1 -من أثبت الوحي بكل صوره"قرآنًا وسنة".

2 -من أنكر الوحي بكل صوره"قرآنًا وسنة".

3 -من أثبت الوحي بالقرآن، وأنكر الوحي بالسنة.

وأسعد هؤلاء بالحق، وألزمهم لمقتضى النقل والعقل، وأثبتهم على ساق الاطراد هم أصحاب القسم الأول، وأما أصحاب القسم الثاني فبرغم ضلال مذهبهم وتضمنه لإنكار كل النبوات والأنبياء، إلا أنهم وافقوا العقل من جهة واحدة وهي اطراد القول، وأبعد هؤلاء عن الاطراد؛ وأجفاهم لمقتضى النقل والعقل؛ هم أصحاب القسم الثالث -أصحاب ابن قرناس وشيعته-، الذين أثبتوا شيئًا وأنكروا نظيره، ووافقوا على وقوع شيء وعارضوا وقوع مثيله.

فمُنْزِلُ القرآن (الله - جل جلاله -) هو مُنْزِلُ السنة، والنَّازِلُ بالقرآن (جبريل - عليه السلام -) هو النَّازِلُ بالسنة، والمُنْزَلُ عليه القرآنُ (محمد - صلى الله عليه وسلم -) هو من أُنْزِلَتْ عليه السنة، والنَّازِلُ في القرآن مِنَ الشَّرَائِعِ -في الجملة- عَيْنُ النَّازِلِ في السُّنة منها، وبرغم كل ذلك إلا أنهم آمنوا -تجوُّزًا [2] - بالقرآن وكفروا بالسنة.

وآيات وجود سُنَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - إجمالًا- عظيمةٌ كبيرةٌ باهرةٌ؛ والعلمُ بنَقْلِها قَطْعِيٌّ، لكثرة النَّقَلَة واختلافِ أمْصَارِهِم و أعْصَارِهِم، واستحالةِ تواطُئِهِم على الكذب، فالعلمُ بآياتِ صِدْقِ وُجُودِ سُنَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - كالعلمِ بِنَفْسِ وُجُودِهِ - صلى الله عليه وسلم - وظُهُورِهِ و بَلَدِهِ؛ بحيثُ لا تُمْكِنُ المُكَابَرَةُ في ذلك، والمكابِرُ فيهِ في غَايَةِ الوَقَاحَةِ والبَهْتِ، كالمكابرة في وُجُودِ ما يُشَاهِدُهُ الناسُ ولم يُشَاهِدْهُ هُوَ مِن البلاد و الأقاليم و الجبال و الأنهار، فإنْ جَازَ القَدْحُ في ذَلك كُلِّهِ؛ فالقدحُ في وجود الأنبياء كعيسى وموسى عليهما السلام، وآياتِ نُبُوَّتِهِمَا أَجْوَزُ و أَجْوَز، وإنْ امتَنَعَ القدحُ فيهما -عليهما السلام- وفي آياتِ نُبُوَّتِهِمَا فامتِنَاعُهُ في وجود سُنَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وآياتِ نُبُوَّتِهِ أَشَدُّ [3] .

ومن هنا فإن الإيمان بكون الله تبارك وتعالى هو الذي أعلم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذا الغيب المذكور في الحديث: ليس من المستعصيات الفكرية التي توجب الوقوف عندها للسؤال، وما معنى إقرار الكاتب بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو رسول من عند الله؛ إذا كان لا يفهم أن الله تبارك وتعالى يوحي لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالأحكام الشرعية والأخبار الغيبية، التي تدل على كونه رسول من عالم الغيب والشهادة.

ثم إنَّ إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغيب ليس فيه أي معارضة لتفرد الله تعالى بعلم الغيب، وذلك أن الغيب المطلق علمه عنده - جل جلاله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) [4] ، وهو مع ذلك

(1) سورة الأنعام آية 91، ومن فوائد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية ما في الفتاوى 19/ 165؛ إذ قال: (إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَاطِبُهُمْ بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ، الْمُتَضَمِّنِ إقْرَارِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ جَدَلٍ بِالْبُرْهَانِ؛ فَإِنَّ الْجَدَلَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسَلِّمَ الْخَصْمُ الْمُقَدِّمَاتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ بُرْهَانِيَّةً. وَالْقُرْآنُ لا يُحْتَجُّ فِي مُجَادَلَتِهِ بِمُقَدِّمَةِ لِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ بِهَا -كَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْجَدَلِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِمْ- بَلْ بِالْقَضَايَا وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي تُسَلِّمُهَا النَّاسُ وَهِيَ بُرْهَانِيَّةٌ، و َإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَلِّمُهَا وَبَعْضُهُمْ يُنَازِعُ فِيهَا .. كَقَوْلِهِ:"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي به موسى .. ) ."

(2) إنما قلت في إيمانهم بالقرآن (تجوُّزًا) لأنه لا يستقيم إيمانهم بالقرآن ولا يصح مع إنكار السنة النبوية.

(3) تضمين مع تغيير لكلامٍ نفيسٍ لابن القيم رحمه الله في إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، انظر أصله في كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى 1/ 185.

(4) سورة الأنعام آية 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت