الصفحة 40 من 69

يطلع أنبياءه ورسله على بعض ما يشاء من الغيب: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا - إلا من ارتضى من رسول) [1] .

وأما الإشكال الثاني: فلا أدري من أين فهم الكاتب -هداه الله- أن سبب إلقاء من أخرج من النار في نهر الحيا هو التنظيف، ثم أليس من عِرَضِ القَفَا، وكَثَافَةِ الفَهْمِ أن يعتقد إنسانٌ أن من ألقي في نار جهنم -التي فضّلت حرارتها على نار الدنيا بسبعين ضعفًا- فخرج منها بعدما احترق؛ ثم هو بعد خروجه منها لا يحتاج إلا إلى أنْ يُلقى في نهر الحيا: لكي يتنظف فقط؟، أهذه عملية ذهنية يمكن أن تجري في عقل إنسان سوي؟.

بطبيعة الحال هم قد احترقوا و احتمشوا حتى صاروا حُمَمًَا كما جاء مصرحًا به في ألفاظ أخرى [2] ، فلما أخرجوا من النار احتاجوا إلى أنْ يعاد خَلْقُهُم بعد الاحتراق، فيجعل الله سبب ذلك الخلق الجديد أنهم يُلقون في هذا النَّهر فينبتون -بإذن الله- فيه على الوصف النبوي: (كما تنبت الحبة في جانب السيل) ، وبه يعلم جواب الإشكال الآخر، فإنهم وإن كانوا قد خلقوا سابقًا، ولكن دخولهم النار أدى إلى احتراقهم وذهاب خلقهم، فيحتاجون إلى خلق جديد، والله تعالى يخلق عباده في الدنيا خلقًا من بعد خلق كما قال الله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث) [3] ، ووقوع ذلك في الدنيا يدل على إمكان وقوعه في الآخرة على الوجه الذي يريده الله: (إنّ ربك فعَّالٌ لما يريد) [4] .

والكاتب -هداه الله- لم تثبت على هذا المقام قَدَمُهُ، فهو بعد أنْ أثبت أنَّ الإلقاء في نهر الحيا لكي يزول لون السواد عنهم؛ رجع مرة أخرى لينفي أصل وقوع الاسوداد بسبب النار، ليدعي أن المراد بالسواد هو اكفهرار وجوههم لا تغير لونها، وهذا صرف للكلام من حقيقته

(1) سورة الجن آية 26 - 27.

(2) جاء في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في مسند أحمد 18/ 395: (قَالَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ أَوْ قَالَ قَبْضَتَيْنِ نَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدْ احْتَرَقُوا حَتَّى صَارُوا حُمَمًا) .

(3) سورة الزمر آية 6.

(4) سورة هود آية 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت