المبحث السادس:
التعميم الفاسد
يقول شيخنا الأستاذ الدكتور"خالد بن منصور الدريس"في هذا العيب المنهجي: (من مسلَّمات المنهج العلمي أن التعميم بدون استقراء وأدلة كافية يعد مزلة قدم تفقد الثقة بالباحث الذي يقع منه ذلك، يقول"لانسون":"إن اليقين يأخذ في التناقص كلما أخذ التعميم في التزايد، وهذه حقيقة تصدق على كل العلوم"، وفي نص آخر له يقول:"نأخذ من المناهج العلمية: الحذر ... وأن نكون أقل استسلامًا لأهوائنا، وأقل تسرعًا إلى الجزم"، ويقول الدكتور شوقي ضيف:"ينبغي الاستقراء الكامل ... حتى لا يقع الباحث في تعميمات وأحكام خاطئة") [1] .
إنَّ من ضرورات المعقول: أنّ أغلب التعميمات في (الإثبات) أو (النفي) ناشئة عن واحد من أمرين اثنين:
1 -إما سعة العلم وتمام الاستيعاب.
2 -وإما الجهل وقلة الاطلاع.
وانطلاقًا من هذا التقعيد المنطقيّ، فلنقارن هذا بالسلوك البحثي الذي انتهجه"ابن قرناس"في تعميماته -وقد تلاطمت أمواج الإطلاقات المرسلة في كتابته تلاطم البحار-؛ فهو يقول مثلًا: (وأيّ حديث ورد في كتب الحديث، يمكن أن نجد حديثًا آخر يناقضه في نفس الكتاب) [2] ، حسنًا أيها القرناسي: أوجد لنا حديثًا يناقض قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أنْ ينام) [3] ، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم في"صحيحه"، وأيضًا: فنحن نريدك أنْ توجد ما يعارضه من الحديث ليس في صحيح البخاري فقط؛ بل في كل ما نُسب من الحديث إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند المسلمين، من صحيح أوحسن أو ضعيف أوموضوع مكذوب، وأنت مُمْهَلٌ إلى حِينِ شَيْبِ الغُرَاب، ولن تجد!.
ويقول أيضًا: (لم يوح للرسول غير القرآن) [4] ، وهذه مغامرة غير علمية لأنها تتضمن إنكار النبوة أصلًا، و سيأتي شيء من الكلام في هذا بما لا يحتاج للتكرار [5] ، ويقول أيضًا: (لم يأمر الرسول بكتابة شيء سوى القرآن) [6] ، وقال: (كل من اتبع المشرع البشري فقد ضل وكفر) [7] ، وهو هنا لا يستثني النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قد قال قبلها: (الرسول لا يستطيع أنْ يشرّع بغير ما قال به القرآن) [8] ، أي: تشريعه هو القرآن المتلوّ فقط، وبالتالي فاتباع السنة النبوية عنده
(1) العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت 55.
(2) (الحديث والقرآن) 10.
(3) صحيح مسلم 1/ 162، من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.
(4) (الحديث والقرآن) 12.
(5) انظر صفحة 34 من هذا البحث.
(6) (الحديث والقرآن) 14.
(7) المصدر السابق 15.
(8) المصدر السابق 14.