الصفحة 32 من 69

وأيضًا فمن الأمثلة على هذا العيب المنهجي، أنّ الكاتب -هداه الله- حمل معنىً اصطلاحيًّا يتكرر في كتب الحديث وكتب تراجم رواته، غير أنّ الكاتب حَمَلَه -فيما يظهر- على المعنى العامّي الدارج في بعض البيئات، فقال ذامًّا رواة الحديث النبوي، ومبيّنًا مبررات تكذيبه لرواياتهم في السنة: (وهناك من دَلَّسَ على الرسول مع سبق الإصرار والترصد) [1] .

والحقيقة أنه لم يفهم معنى الكلمة الاصطلاحية"التدليس"؛ إنما سبق إلى ذهنه معنى الكذب والافتراء فاعتَقَدَهُ وفَرِحَ به، وهي إنما تطلق عند أهل الحديث بمعنى: تحديث الراوي عمن عاصره ولم يلقه؛ أو عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويكون في الواقع إنما سمعه بواسطة راوٍ آخر عن شيخه، ويفعل ذلك لجملةٍ من الأسباب التي عَذَرَ المحدِّثُون ببعضها وعَتِبُوا على الرواة في بعضها الآخر، ولكن ليس من بين هذه الأسباب الداعية للتدليس: قصد الكذب ونسبة الزور أبدًا، فإنّ شيئًا من هذا لم يقع فيه المحدثون؛ إلا عند الكذبة الذين قيّد أهل الحديث أسماءهم وأخبارهم ورواياتهم في كتب مستقلّة.

(1) (الحديث والقرآن) 21 - 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت