فأما الكاتب"ابن قرناس"-هداه الله- في كتابه هذا: فقد تَقَلَّبَ في الشك غير المنهجيّ ظَهْرًا لبطن، ولم يَبْقَ في جَسَدَه عِرقٌ ولا مِفْصَلٌ إلا وداخَلَهُ فيه الشك في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديثه، دون أنْ يوجد دليلًا واحدًا يقوم عند الحجاج على صدق شكوكه وأوهامه، ولك أنْ تتصوَّر حجم هذه الشكوك في نفسه وهو يردّد عن الحديث النبوي من بداية بحثه عباراتٍ من مثل: ("أساطير"،"مختلق"،"فيها حذف"،"تبديل"،"تعديل"،"إضافة"،"مبتور"،"نسج الخيال") ، سِتْرَكَ يا ربّ، كلُّ هذه الأوهام كيف احتملها قلبٌ واحدٌ اجتمعت فيه وصبر عليها!.
يقول الكاتب -هداه الله- في هذا السبيل: (لو ثبت عن الرسول .. بطرق قطعية، وهو ما لا يتوافر فيما يسمى بالحديث، ولكننا نقول جدلًا إنه حتى لو ثبت عن الرسول غير القرآن: فلا يمثل دين الله) [1] ، فلاحظ كيف استولت عليه هواجيس الشك واحْتَوَشَتْهُ وُحُوشُهُ، حيث إنه يعتقد أنه لو ثبت بشكلٍ قاطع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنةٌ فإنه -مع قطعيَّة ثبوتها- لا يقبله في دين الله!، وهذه مرحلة متقدِّمة من"التَّسْهِيب" [2] ، وللعلم فإنّ من شك في القطعيات والمسلمات، ككون الشمس طالعة مثلًا؛ فقد تُوُدِّع من عقله.
ويقول أيضًا عن حديث ابن عباس - رضي الله عنه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس) ، فقال"ابن قرناس": (وبطبيعة الحال هذا لم يحدث، ولا يمكن أن يكون حدث) [3] ، وهذا النفي منه: إما أن يكون لخبر غيبيّ بلغه، وإما أن يكون لشهوده الحادثة وثبت عنده عدم حصول السجود، وإما أن يكون لمانع عقلي يقطع بعدم إمكان ذلك؛ وكل هذا لا وجود له في نفس الأمر؛ فبقي أنّ إنكاره لوقوع ذلك مجرّد أهواء وظنون.
(1) (الحديث والقرآن) 18.
(2) هو ذهاب العقل بسبب لدغ حيّةٍ أو عقرب ونحوها من ذوات السموم، انظر: لسان العرب 1/ 475.
(3) (الحديث والقرآن) 69.