فهذا تفصيل دقيق للواجب العيني على المكلفين في ما يجب عليهم أن يربُّوا أنفسهم عليه وأن يزكوا ذواتهم عليه، كل ذلك مطلوب وهو واجب لا بد منه، فإذا عرفت تلك الأمور الأربعة فهي واجبة عليك لا بد أن تعلمها ثم لابد أن تعمل بما علمت.
وأما الذي هو من جنس المندوب فهو قدرٌ زائدٌ على تلك الأمور الأربعة الواجبة على كل مسلم ومسلمة، وهو نوعان:
نوع ديني شرعي، وهو ما ندب إليه الشارع ، وهذا يتعلق بالديانة.
ونوع من جنس المروءات، وهو أن تعرف كرائم المروءات مما اتفق عليه الناس أنه كريم في نفسه، وهذا يتعلق بالمروءة.
وقد نص عليهما جمهرة الفقهاء والمحدثين عندما يتكلمون عن العدالة ونحوها، فإذا علمت ذلك كله رُمْت تزكية النفس على الواجبات والفرائض المتعينات، وصبوت إلى تحقيق المندوبات المستحبات.
الركيزة الثانية: معرفة الطريق الموصل إلى تحقيق تلك التزكية، وقد أشار إلى أنه لا بد من معرفة الطريق بعد معرفة الشيء المراد غير واحد، ومنهم: ابن قيم الجوزية - يرحمه الله -.
والمسالك التي هي توصل إلى تحقيق ذلك المراد هي مجموع أمور ثمانية:
الأمر الأول: صحة النية وصدقها، فلابد من إخلاص النية وصدق الطوية، وأن يستنهض الإنسان الهمة صادقًا في عزمته، قويًا في إرادته؛ فإن ذلك مدعاة إلى أن يعينه الله - سبحانه وتعالى - على تزكية نفسه.
يقول ابن القيم مقررًا ذلك في كتابه (الفوائد) :"المعونة من الله تنْزل على العباد على قدر همتهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينْزل عليهم على حسب ذلك فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به وهو العليم الحكيم".