بَابُ عَينِ البَصَر مُوثَقًَا فَالقَلبُ سَليمٌ مِن كُلِّ آفَّةٍ، فإذَا فُتِحَ طَارَ الطَّائرُ، وَرُبَّمَا لمَ يَعُد بَعدُ"."
وقال في «ذمِّ الهوى» بعد أن قال كلامًا في غضِّ البصَرِ"فتفهَّم يا أخي ما أوصِيك بِه، إنَّما بصرُك نعمةٌ من الله عليكَ فلا تعصِهِ بنعَمِهِ، وعامِلهُ بغضِّه عن الحرامِ تربَح، واحذَرْ أن تكونَ العُقوبَةُ سَلبَ تلكَ النِّعمةِ، وكُلُّ زمنِ الجهادِ في الغضِّ لحطةٌ، فإن فعلتَ نلتَ الخيرَ الجزيلَ، وسلمتَ من الشَّرِّ الطويلِ ألم تسمع قولَ القائلِ:"
إنِّي إذا ذلَّ الحريصُ ... وأقولُ للنَّفسِ اطمئنِّي ... 11 ... عززتُ في ظلِّ القناعَهْ فالشَّجاعةُ صبرُ ساعهْ"... 11"
وقال الإمام أبو عبد الله القُرطُبِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في «تفسيره» :"البصرُ هو البابُ الأكبرُ إلى القلبِ، وأعمَرُ طرقِ الحواسِّ إليهِ، وبحسَبِ ذلك كَثُرَ السُّقوطُ مِن جهتِه، وَوَجبَ التحذيرُ منهُ، وغضُّه واجبٌ عن جميعِ المُحرَّماتِ، وكُلِّ ما يُخشَى الفتنَةَ مِن أجلِهِ".
وقال الإمام ابن مُفلِحٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في «الفُرُوعِ» :"ولِيَحذَرَ العَاقِلُ من إطلاقِ البَصَرِ، فإنَّ العَينَ تَرى غَيرَ المقدُورِ عَليه عَلَى غَير مَا هُو عَليهِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِن ذَلِكَ العِشقُ، فَيهلِكَ البَدَنُ والدِّينُ! وكَمْ مِن نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ!. وَرَوَى الحاكِمُ في «تاريخِهِ» عَن ابن عُيينَةَ قَالَ: حَدَّثني عَبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، وَكانَ عاقِلًا، عَن شَيخٍ مِن أشياخِ الشَّامِ قَالَ: مَن أعطَى أسبَابَ الفتنةَ نفسَه أوَّلًا لم يَنجُ آخرًا، وإن كَان جَاهِدًا".
أما كلامُ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ شمَسِ الدِّينِ ابْنِ قَيِّمِ الجَوزيَّةِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في هَذَا البَابِ فإنه غَايةٌ في النَّفَاسَةِ والأهميَّةِِ، وسنذكر في الفصل القادم شيئًا منهُ أيضًا إن شاءَ اللهُ تَعالى.