هيكل والسادات صراع لم ينته
ولقد ظلت رواية هيكل لأسباب القطيعة مع السادات إلى وقت قريب -وربما إلى الآن- هي الأكثر رواجا، وهو أرجعها إلى خلاف حول عدة نقاط هي:
أولا- الطريقة التي عالج بها مظاهرات الطلبة أواخر 1971؛ إذ كان يرى أن العنف ليس وسيلة الحوار مع الشباب (ويبدو ذلك متناقضا مع موقف هيكل الذي كاد أن يكون تبريرا لموقف عبد الناصر من الشيوعيين والإسلاميين في الستينيات حين كتب ما أسماه أزمة المثقفين) .
ثانيا- معالجة السادات لموضوع الفتنة الطائفية؛ حيث كان يرى السادات تفجير المشكلة، وكان يرى هيكل ضرورة علاجها بحذر لأسبابها وعوارضها وجذورها (وربما كان هيكل محقا في ذلك) .
ثالثا- مسألة الوحدة مع ليبيا، وكان يناصرها هيكل بقوة ويراها مختلفة عن تجربة الوحدة مع سوريا بسبب عنصر الاتصال الجغرافي والسكاني إلى جانب تكامل ثروة ليبيا السائلة، وتكاملها مع الإمكانيات البشرية والطاقة الإنتاجية المصرية (وربما أن قراءة الآراء المنشورة حديثا لهيكل عن الزعيم الليبي تشي بأن إدارة علاقة بمستوى الوحدة السياسية في ظل قيادة القذافي -كما يصوره هيكل- قد ترقى إلى نوع من الألعاب الطفولية) .
رابعا- طريقة السادات في إجراء اتصالات خفية مع أمريكا عن طريق قناة اتصال خاصة، واعتذار هيكل عن إجراء مفاوضات سرية مع كيسنجر على أساس أن الموقف التفاوضي وقتها لم يكن قويا في تقديره، وأن هدف التفاوض ليس واضحا أمامه (وهذه مسألة خلافية شارك آخرون هيكل في موقفه منها، وإن كان وجه الاختلاف على طبيعة الشخص الذي اختاره السادات ليكون قناة اتصال) .
خامسا- قرار السادات نقل ثمانين صحفيا بينهم أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس ولويس عوض ومكرم محمد أحمد وآخرون، واعتذر هيكل عن تنفيذ القرار فيما يتعلق بصحفيي وكتاب الأهرام، ووضع استقالته أمام الرئيس السادات (وهو موقف يحسب لهيكل لا عليه، ولكن هل كان ذلك موقف هيكل عند التنكيل بكثير من الصحفيين والكتاب رفتا ثم سجنا وتعذيبا أيام عبد الناصر؟ وهل الفارق بين الموقف وعدم الموقف هو إحساس هيكل أنه يدافع عن آخر معاقله"الأهرام"التي كانت مشروعه ومفتاح سلطته وتأثيره، ولظنه أنه يمكنه مواجهة السادات؟) .
سادسا- (والذي جاء في هذا السياق متأخرا ليس نتيجة الترتيب حسب الأهمية، وإنما حسب التسلسل الزمني للخلافات) الإدارة السياسية لحرب أكتوبر، وكان هيكل يرى نتائج الحرب تضيع واحدة بعد الأخرى، وراح يكتب رأيه بشكل لا لبس فيه في مجموعة مقالات جُمعت بعد ذلك في كتاب"عند مفترق الطرق"، وبعدها كتب تحت عنوان"أسلوب التفاوض المصري"أواخر ديسمبر 1973 مما أثار حفيظة السادات عليه (ويبدو هيكل محقا تماما فيما ذهب إليه ومعه آخرون عارضوا ورفضوا، ومنهم من خرج من الصف. فالسادات كان مستعدا للذهاب بعيدا من أجل حل يعيد الأرض) .