في تلك اللحظات الحرجة بدا للجميع أنهم في حاجة شديدة لعبورها معا، وعندما أعلن هيكل رغبته في الاستقالة انفجر سامي شرف مدير مكتب عبد الناصر ووزير شئون رئاسة الجمهورية بحميمية قائلا لهيكل:"إما أن نبقى جميعا أو نخرج جميعا"، ولا يخلو ذلك الموقف من دلالة مهمة؛ فقد أصبح سامي شرف فيما بعد ضمن من سموا"جماعة مايو"أو"مراكز القوى"طرفا في خصومة مع السادات وهيكل، واتهم الأخير بأنه تعدى فور اعتقاله وبموافقة السادات على وثائق خاصة لا يعرف أحد عنها شيئا سواه والراحل ناصر.
علاقة بدأت بالتملق وانتهت بالإهانة
وعلى الرغم من أن موقف هيكل تجاه الطرفين المتصارعين على السلطة (السادات من جانب، وجماعة مايو من جانب آخر) ظل غامضا حتى إبريل 1971 كان طبيعيا أن يكتب هيكل في 21 و28 مايو و26 نوفمبر من العام نفسه بعد ما أسماه"السادات ثورة التصحيح"، وهي مقالات تشيد بالسادات على نحو مدهش لمن سبق أن قرأ كتاب"خريف الغضب"لهيكل، ثم استعاد تلك المقالات التي جاء فيها"كان السادات هائلا في هذه الساعة الحاسمة من التاريخ بأكثر مما يستطيع أن يتصور أحد .. كانت قراراته مزيجا مدهشا من الهدوء والحسم .. هذه المرحلة هي التي ستجعل من أنور السادات -بإذن الله- قائدا تاريخيا لشعبه وأمته؛ لأن القيادة التاريخية مرتبة أعلى بكثير من الرئاسة مهما كان وصفها".
فلماذا تحولت الصداقة التي استمرت حتى خروج هيكل في 1975 من الأهرام ومن دوره كفاعل في الحياة السياسية في مصر إلى خصومة لدودة؟ ولماذا بلغ حنق السادات من هيكل منتهاه في سبتمبر 1981؛ فشن هجوما عنيفا على هيكل (لا رائحة فيه للصداقة القديمة) أمام كاميرات التليفزيون، واتهمه خلاله بخمسة اتهامات: أنه ملحد وأنه اعترف (للسادات) بذلك، وأنه صديق للملوك والرؤساء في العالم العربي وخارجه وهذا يجعل منه مركز قوة، وأنه كون ثروة من عائد كتبه التي هاجم فيها مصر، وأنه أعطى للعالم صورة مشوهة عنها، وأنه كان يرتب مع فؤاد سراج الدين لإصدار جريدة تنطق بلسان الوفد؟
ظلال من الشك حول علاقة هيكل والسادات
وإحقاقا للحق يبدو موقف السادات من هيكل أقرب للتشويه بل والتجريح منه إلى الأحكام الموضوعية؛ فاتهاماته له مردود عليها ببساطة بالسؤال التالي: لماذا أبقى عليه قريبا منه جدا لمدة خمس سنوات كاملة؟!
والأمر نفسه فعله هيكل أيضا حين سعى لقتل السادات ميتا، وتدنى في انتقاده له -والأمثلة كثيرة في كتابه"خريف الغضب"- إلى حد إرجاع تصرفات السادات إلى سوء أصيل في تركيبته النفسية، واستند هيكل إلى أن إحساس السادات بلون بشرته الأسود (ولنلاحظ استخدام هيكل لتعبير"الأسود"وليس"الأسمر"أو"الداكن"أو حتى"المائل للسمرة"، وهو من العارفين تماما بالفروق الإيحائية بين المترادفات ووقعها في الأذن والنفس) كان سببا في ميله للحصول على عطف الناس وفهمهم واستعداده لتقديم أي شيء في سبيل الحصول على قبولهم ورضاهم، ووصل الأمر بهيكل إلى حد الإيحاء بأن السادات تلقى شيكا بمبلغ 35 ألف دولار من لاجئ سياسي عربي إلى مصر هو الشيخ المبارك الصباح، وعلم به عبد الناصر، وأودع في ملفات الرئاسة والمخابرات.
والحقيقة أن تحليل هيكل لشخصية السادات وعرضه لدوره في الحياة السياسية ما قبل الثورة وحتى وفاته في أكتوبر 1981 يبدو معيبا علميا إلى حد بعيد، وفيه من التعسف ما يؤكد انحرافه عن الموضوعية، وأن دافعه تجاوز انتقاد خلافات سياسية إلى النيل والانتقام من شخص السادات. فهيكل لا يجيب مثلا على سؤال: كيف لا يعترض على قرار عبد لناصر -حسب روايته هو- تعيين شخص مرتشٍ (السادات) في منصب نائب الرئيس قبل سفره إلى المغرب في ديسمبر 1969؟ بل وكيف يدعم وبقوة صعوده إلى موقع الرئيس فيما بعد ويشارك في تثبيته رئيسا؟!
هيكل يفسر غموض علاقته بالسادات