رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 61] ، وهذا عام يندرج فيه الذين آذوه - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وبعد وفاته [1] ؛ فالعذاب الأليم الموجع نازل لا محالة بكلِّ من يتجرأ على إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأي نوع من أنواع الأذى قلَّ أو كَثُر.
وإبراز اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع إضافته إلى الاسم الجليل فيه عدة فوائد، منها: التعظيم لشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والزيادة في تشريفه - صلى الله عليه وسلم -، والتنبيه على أن أذية الرسول - صلى الله عليه وسلم - راجعة إلى جناب الله - جل جلاله -، موجبة لكمال السخط والغضب منه - سبحانه وتعالى - [2] .
وقد قرن الله - جل جلاله - أذاه بأذى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أنَّ المؤذي ملعون في الدنيا والآخرة، وأنّ له العذاب المهين، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] .
أمَّا إذاية الله - جل جلاله - فتكون:"بالكفر، ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به" [3] ، فقد ورد الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - رضي الله عنهم - قَالَ: قَالَ اللَّهُ - عز وجل: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" [4] ."
وأمَّا إذاية الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي ـ كما يقول ابن كثيرـ:"عامة في كل من آذاه بشيءٍ، ومَنْ آذاهُ فقد آذى اللهَ - جل جلاله -، كما أنَّ مَنْ أطاعَهُ فقد أطاعَ اللهَ - جل جلاله -" [5] .
واللعن:"الطَّرْدُ والإبْعَادُ على سبيلِ السَّخَطِ، وذلك مِنَ اللهِ - جل جلاله - في الآخرةِ عُقُوبَةٌ، وفي الدُّنيا انقِطَاعٌ من قَبُولِ رحْمَتِهِ وتوفيقه" [6] ؛ فمطرود من رحمة الله - جل جلاله -، ومُبعدٌ مِن رضاه في العاجل والآجل كلّ مَنْ آذى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأعدَّ له - جل جلاله - مع ذلك عذابًا يصيبه في الآخرة فيُذلُّ فيه ويُهان.
وهذه الآية والتي قبلها ذُكِرتا ضمن الآيات التي يُستدل بها على أن الأذى في حقّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كُفرٌ؛ لأنّ اللعن يقع من الله - جل جلاله - على الذين كفروا، وكذلك العذاب الأليم، والعذاب المُهين إنما يكون للكفّار، وحكم الكافر القتل، وكذلك حكم مؤذى النبي - صلى الله عليه وسلم - هو القتل [7] .
قال ثناء الله الهندي:"من آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعن في شخصه أو دينه، أو نَسَبِه، أو صفاته بوجه من وجوه الشين فيه صراحةً، أو كناية، أو تعريضًا، أو إشارة كفر، ولعنه الله - جل جلاله - في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له عذاب جهنَّم" [8] .
(1) أبو حيان، البحر المحيط،5/ 63.
(2) أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 4/ 77.
(3) ابن عطية، المحرر الوجيز،4/ 398.
(4) صحيح البخاري، كتاب التفسير، بَاب {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ} ، (4549) ،4/، 1825، صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر (2246) ،4/ 1762، واللفظ له.
(5) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/ 469.
(6) الراغب الأصفهاني، المفردات، 454.
(7) انظر: القاضي عياض، الشفا، 2/ 211،219 - 210.
(8) الهندي، محمد ثناء الله العثماني الحنفي، تفسير المظهري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2004م، 7/ 382.