الصفحة 9 من 9

كفاية الله - جل جلاله - رسوله المؤذين

وقد وعد الله - جل جلاله - رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - بكفايته مَنْ آذاه، فقال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] ، ومن كفاية الله - جل جلاله - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - تولي الرّد عنه لمن ادعى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبتر، فقال: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ، هكذا بصيغة التوكيد، والحصر؛"أي: عدوك ومبغضك، والأبتر: الحقير الذليل، أو المفرد الوحيد، أو الذي لا خير فيه" [1] .

فإذا كان الله - جل جلاله - قد تولى الرّد عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - على الطعن بشخصه - صلى الله عليه وسلم - فكيف بمن يسبُه، ويتعمد إيذاءه بطريقة أو بأخرى؟!

فالآية الأولى ـ كما نسب النسفي إلى الجمهور قولهم ـ:"نزلت في خَمسةِ نفرٍ كانوا يُبالغون في إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاستهزاء به فأهلكهم الله - جل جلاله -" [2] .

وهؤلاء الخمسة ـ على ما ذكر ابن هشام ـ هم: الأسْوَدُ بن المُطّلِبِ، والأَسْوَدُ بن عَبدِ يَغُوث، والْوَلِيدُ بن المُغِيرَةِ، والعَاصُ بن وَائِلِ، والْحَارِثُ بن الطُّلاطِلَةِ [3] .

أما الآية الثانية فنزلت في العاص بن وَائِل، كان إذا ذُكِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعوه فإنّما هو رجل أبتر لا عقب له، لو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه [4] .

ولا يعني هذا أن الهلاك مُقتصرٌ على هؤلاء الخمسة، بل إنّ أحداث التاريخ تشهد على هلاك كثيرين ممن آذوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - [5] ، قال ابن تيمية:"ولعلك لا تجدُ أحدًا آذى نبيًا من الأنبياء ثُمَُّ لم يتب إلا ولا بُدَّ أن تُصيبَه قارعةٌ" [6] .

وهكذا تحقّق وعد الله - جل جلاله - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ المؤذين له أخذ عزيز مقتدر، ونالهم من العذاب المُهين في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الآخرة أشقُُّ لو كانوا يعلمون، وإنّ الله - جل جلاله - الذي كفاه المؤذين له وهو حيّ، لقادر على أن يكفيه المؤذين له بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وكفى بذلك رادعًا عن إذايته - صلى الله عليه وسلم - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

(1) القاضي عياض، الشفا، 1/ 52.

(2) النسفي، مدارك التنزيل،2/ 200.

(3) ابن هشام، أبو محمد بن هشام بن أيوب (218هـ) ، السيرة النبوية، دار الفكر، بيروت، ط2، د. ت، 1/ 408ـ410.

(4) الواحدي، أسباب النزول، 307، السيوطي، لباب النقول، 217.

(5) أورد القاضي عياض في كتاب الشفا بعضًا من هذه الشواهد. [انظر: الشفا، 1/ 346ـ345] .

(6) ابن تيمية، الصارم المسلول،172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت