وأورد صاحب تاج العروس ما يُبيِّن مقدار الأذى وما يصلح أن يطلق عليه أذى، فقال: الأذى: المكروه اليسير، ونقل عن الخطابي قوله: الأذى: الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا [1] .
وعلى هذا فالأذى هو كل ما يصل إلى الإنسان من غيره من قليل الشر ويسير المكروه، سواء أكان في نفسه أم جسمه أم أهله.
والقرآن الكريم يردع عن كلِّ ما يتأذى به الرسُولُ - صلى الله عليه وسلم - سواء أكان قولًا أم عملًا، وسواء أكان ذلك بشيء قليل من الشّر أم ترك أثرًا يسيرًا من المكروه، قال أبو حيّان: قوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} : عام في كل ما يتأذى به، {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا} خاص بعد عام؛ لأن ذلك يكون أعظم الأذى، فحرم الله - جل جلاله - نكاح أزواجه بعد وفاته" [2] ."
وتحريم أزواجه - صلى الله عليه وسلم - على أحدٍ بعده مما اختصَّ به - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا تكريم من الله - جل جلاله - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وتمييز له عن سائر أمته.
والتعبير عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعنوان الرسالة لتقبيح ذلك الفعل، والإشارة إلى أنّه بمراحل عما يقتضيه شأنه - صلى الله عليه وسلم -، إذ في الرسالة من النّفع، وما هو سبب للسعادة ما يستوجب به - صلى الله عليه وسلم - غاية الإكرام والإجلال، فضلًا عن الكفّ والامتناع عن كلِّ ما يتأذى به - صلى الله عليه وسلم - [3] .
ولزيادة الرّدع عظَّم الله - جل جلاله - أذى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشدَّد فيه وتوعد عليه، فقال: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} ، فالإِشارة ـ بعد التو كيد ـ إلى ما ذكر مِنْ إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للدلالة على بُعدِ منزلة الإيذاء في الشرِّ والفسادِ، فهو عند الله - جل جلاله - ذنبٌ عظيمٌ، وأمر هائلٌ شديدٌ، وفي هذا من تعظيمِ الله - جل جلاله - لشأنِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وإيجابِ حُرمتِه حيًا وميتًا ما لا يخفى [4] .
وللمبالغة في الوعيد يُخبر - جل جلاله - أنه عالم بما يُظهَر وما يُخْفى من أذى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومحيط بكلّ شيء علمًا، فيقول: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 54] ، وسيجازي كلّ إنسان بما يناسب أعماله الظاهرة والخافية، قال الآلوسي:"وفي تعميمِ (شَيء) في الموضعين مع البُرهانِ على المقصودِ من ثبوت علمه - جل جلاله - مزيدُ تهويلٍ وتشديدٍ ومبالغةٍ في الوعيدِ" [5] ، وفي هذا رادع قويّ لأولي النُّهى عن إذاية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقولٍ أو فعلٍ، سِرًّا كان ذلك أو جهرًا.
إذاية الرسول - صلى الله عليه وسلم - تُوجب اللعنة والعذاب الأليم
ولعظيم قدر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وللرّدع عن التعرض له بأي نوع من الأذى فقد أوجب الله - جل جلاله - للذين يتعمدون إيذاء رسوله - صلى الله عليه وسلم - العذاب الأليم، واللعن في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
(1) الزَّبيدي، تاج العروس،10/ 13.
(2) أبو حيان، البحر المحيط،7/ 247.
(3) انظر: البقاعي، نظم الدرر،6/ 127، ابن عجيبة، البحر المديد،6/ 47.
(4) انظر: أبو حيان، البحر المحيط،7/ 249،.
(5) الآلوسي، روح المعاني،22/ 74.