وهذا التركيب لا يُراد منه الردع والزجر إلا في الأمر الذي يكون بمقدور الإنسان ـ المكلف ـ أن يمتنع عنه، أمّا ما خرج عن ذلك، وكان مما لا قُدْرَة له عليه، ولا طاقة له به، فهو نفي بليغ، وليس ردعًا.
وسواء أكان هذا التركيب بمعنى النفي أم خرج إلى الرّدع فهو يدل على المبالغة، وحول هذا المعنى يقول المطرزي:"لمّا أرادوا نفي الأمر بأبلغ الوجوه قالوا: ما كان لك أن تفعل كذا، حتّى استُعمِلَ فيما هو مُحالٌ أو قريبٌ منه" [1] .
ولعلَّ وجه دلالته على المبالغة أن فيه نفي الشأن والعادة، فقولك لزيد مثلًا: ما كان لك أن تكذب، أبلغ من قولك: لا تكذب؛ لأنّ الأول فيه دلالة على أن الكذب لم يكن من شأن زيد ولا من عادته، ولا يليق به ذلك؛ لأن فيه من الخصال الحميدة التي تردعه عن الكذب، وتجعله بعيدًا عنه، والثاني ليس فيه إلا مجرد طلب ترك الكذب [2] .
ومما يدل على أنّ هذا التركيب يفيد المبالغة وقوع لام الجحود بعد (كان) المنفية؛ فإذا نفت (ما) فعل (كان) أفادت قوّة النفي ومباعدة المنفي، وحسبك أنّها يبنى عليها الجحود في نحو: ما كان ليفعل كذا [3] .
ووجه دلالته على المبالغة هنا أن إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس من شأن المؤمن المتصف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح ولا من عادته، بل ولا يكون منه ذلك أبدًا؛ لأنه يعمل بما يُرضيه - صلى الله عليه وسلم - ولا يؤذيه، وإنما هو من أفعال أهل الكفر والضلال القبيحة، وصفاتهم الذميمة، وليسوا من الإِيمان في شيء.
قال ابن عاشور:"دلت جملة {وَمَا كَانَ لَكُمْ} على الحظر المؤكد؛ لأن {وَمَا كَانَ لَكُمْ} نفيٌ للاستحقاق الذي دلت عليه (اللام) ، وإقحام فعل (كان) لتأكيد انتفاء الإِذن، وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم" [4] .
معنى الأذى:
والأذى في اللّغة يطلق في الأصل على الشّيء تتكرّهُه ولا تقرّه [5] ؛ فالأذى في الأصل مقتصر على ما يحصل في النفس من إنكار للشيءٍ مع كراهته، لا غير.
ولكن الراغب الأصفهاني توسع في بيان معنى الأذى، فقال:"الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر، إما في نفسه، أو جسمه، أو تبعاته، دنيويا كان أو أخرويا" [6] .
(1) المطرزي، ناصر الدين بن عبد السيد بن علي، المغرب في ترتيب المعرب، مكتبة أسامة بن زيد، حلب، ط1، 1979م، 2/ 432.
(2) انظر: أبو بكر جابر الجزائري، أيسر التفاسير، أضواء المنار، المدينة المنورة، ط2، 1419هـ،2/ 437.
(3) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير،13/ 256ـ257.
(4) ابن عاشور، التحرير والتنوير،22/ 92.
(5) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،1/ 78.
(6) الراغب الأصفهاني، المفردات،24.